مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

13 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٣

على مواجهته، وكشف دسائسه. وفي مراسلاته للعمانيِّين الذين يرزحون تحت الاحتلال البريطاني نجد:

*-النعي على من يستعين بالإنجليز وبالظلمة، فقد نصح أحدَ العمانيين قائلا: «وإلاَّ فكأني أراك تستعين بالإنكليز أو غيرهم من النصارى أو من أهل الملَّة أو من أهل مذهبك ومن لا يتَّقي الله عزَّ وجلَّ، فيقلُّ أهل عُمان، بل هم قليلون ويزدادون قلَّة وضعفا، وتزدادون ضعفا حتَّى يذهب عنهم اسم الجماعة»(1).

*- دعوة العمانيِّين إلى أن يكونوا في مستوى التحدِّي والتصدِّي للأفكار المعادية، ومواجهة الشبهات التي تثار، ومقابلة الدهاء بالدهاء، والمكيدة بالمكيدة، إذ قال: «ولو كنتم يدا واحدة قويَّة لاستحسنت لكم مراقبة المشركين بإبطال خدعهم بحيلكم، ليهون كيدهم ويبطل، ويسقط في أيديهم، فتكونوا على استعداد … »(2)، «وهذا الشرط ـ أن يكونوا يدا واحدة ـ لا أخاله متوفرا آنذاك لدى العمانيِّين بخاصَّة. وهذه النظرة الثاقبة لدى القطب نجدها لدى المفكِّر مالك بن نبي(3)، الذي يرى أَنَّ علينا أن نضع قناعا ضدَّ الأفكار الغربيَّة السامَّة والقاتلة، مثلما نضع قناعا ضدَّ الغازات السامَّة»(4).

2 - مواجهة الحكم السلطاني:

نصح القطبُ اطفيَّش أحد العمانيِّين بقوله: «وأوصيك وأنصحك أن لا تسعين بمن يظلم ويقتل من لا يستحلُّ قتله، وينهب الأموال التي لا تحلُّ، وأغريك بالتودُّد إلى العدوِّ(5) بالصلح، ودعائه إلى ترك الذنوب التي يقرُّ أنَّها ذنوب، كشرب الخمر، وأكل الخنزير، والزنا، وغصب الأموال، وبوضعِ نفسه موضع غريبٍ دخل عُمان يستوي عند أهلها، وبدعائه إلى ما لا ينكر من الطاعة، كنفع الطلبة والفقراء وإقامة العلم حفظا ودرسا، وقراءة القرآن وعمارة المساجد … »(6). وطلب منه أن يبلغها إلى السلطان قائلا: «وسلِّم على السلطان وأخبره بنصحي لك»(7). ولم يُذكر اسم المرسَل إليه، غير أنَّ سياقها يوحي بأنها موجَّهة إلى من كان مقرَّبا من السلطان، مثل: الشاعر محمَّد بن شيخان الذي كان يمدحه، أو عيسى بن صالح الحارثي، الذي تقرَّب إليه في فترة من الفترات، حين أكرمه وسالمه، وأجرى له راتبا شهريًّا(8).

وفي هذا النصح اللطيف يصدق المثل القائل: «إيَّاك أعني واسمعي يا جارة»؛ لأنَّ أغلب ما نهى عنه الشيخُ صاحبَه، هو مما ينتقده أنصار الإمامة على السلاطين حكَّام عمان، منذ السلطان سعيد بن سلطان، إلى ابنه تركي، إلى ابنه فيصل، واستمرَّ نفس الانتقاد إلى ما بعد القطب، في عهد السلطان تيمور بن فيصل، إلى ابنه سعيد، إلى ابنه الحالي قابوس.

وينبغي أن نشير إلى فتوى متعلقة بموضوع السلطنة، وهو أن العائلة الحاكمة ومن يدور في فلك السلطان، شاع العرف عند العمانيِّين أن يسمَّى بالسيِّد، ونظرا لأنَّ السلطان ومن والاه لم يكن يتقيد بأحكام الشريعة الإسلامية، فقد أفتى القطب بمنع استخدام هذه اللفظة في حقِّ المشرك والمنافق، وقال: «ولا يُسيغ شيوعُه في العرف إباحتَهُ، ومهما يظهرْ لي من رخصة بعدُ أعجلْ لكما بها … ويجوز إطلاق السيد عليهما بحدِّ التقيَّة أو ما يقرُب إليها من المداراة»(9). ولا يزال الإشكال الفقهي قائما إلى اليوم، بما أن التسمية لا تزال مستعملة عند العمانيِّين، ولا يجوز - في عرفهم - استعمال لفظة «السيِّد» لغير العائلة الحاكمة!.

3 - مساعي السالمي لإحياء الإمامة:

يجدر بنا أن نشير إلى مراسلة نراها مهمَّة، وهي من سيف بن بشير الحبشي رسولِ شيخه الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، ذكر فيها أنه قد أرسله ليزور القطبَ «في أمر لا يمكن كشفه في الكتب»(10)، غير أنَّ الإجراءات الإدارية مع الاحتلال البريطاني والفرنسي المسيطرين على أغلب العالم الإسلامي، حالت دون تمكُّنه من الوصول إلى الجزائر، فقد قال: «لأني لم أصطحب معي كتابا من سيِّد

(1) -المصدر نفسه، 2/ 379.

(2) -المصدر نفسه، 2/ 363.

(3) -ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص143 - 148.

(4) -شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص283 - 284.

(5) -حسب السياق يقصد بالعدوِّ: السلطان آنذاك.

(6) -كشف الكرب، 2/ 379.

(7) -المصدر نفسه، 1/ 223. وتكررت النصيحة في: 2/ 379.

(8) -ينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، 87 - 95، 125. شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص112.

(9) -كشف الكرب، 1/ 68. المادة رقم: 74. (مك. ع. س).

(10) -رسالة من سيف بن بشير الحبشي، في صفحتين. (مك. ق).

١٨١ / ٣٠٤