مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

13 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٧

الإدخال من كتبهم في كتبنا جائز؟»، وبيَّن فضلَ بيانٍ ضرورةَ الأخذ بروايات غير الإباضية، «بأمر برهاني وأمر إقناعي» حسب تعبيره(1).

هنا نلاحظ تفتُّح القطب على المذاهب الإسلامية الأخرى، بالحثِّ على إيراد أقوالهم جنبا إلى جنب مع آراء الإباضية، دون تعصُّب. ونلاحظ كيف وازن بين المصلحة المتوخَّاة من الأمانة العلميَّة بذكر صاحب الرأي، وبين المفسدة المترتِّبة عن رفض الحقِّ، فقدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة.

ووضَّح طريقته في التعامل مع المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، فربما رجَّح ما يخالف المذهب الإباضي إذا اتَّضح له صوابه، إذ يقول في نفس الرسالة: «ولا أذكر من كلام القوم إلاَّ ما لا بأس به، ولو وُجد في مذهبنا ما يخالفه إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلُّف فيه، وربما رجَّحته على ما في المذهب لقوَّته بأدلَّة وجدتها؛ لأنَّ القول بالحقِّ واجب مع الحبيب والبغيض. والواصل يحرم عليه التقليد. وفي كلِّ مذهب راجح ومرجوح، وأكثر مسائلنا في الفروع راجحات والحمد لله، وكلُّها حقٌّ في الأصول. وإذا ترجَّح قول غيرنا في مسألة من الفروع على قولنا بأدلَّة، أو ذكروا مسألة لا بأس بها ولم تذكر في المذهب جاز ذكرها في كتبنا ولو بلا نسبة لها إلى قومنا»(2).

وليس هذا المنهج في التعامل مع المخالفين وليد فكر القطب، بل هو ما انتهجه جلُّ علماء الإباضية، فـ «الشيخ يوسف بن إبراهيم قرأ في قرطبة من أندلس، وأبو عمار في تونس المعقولَ والأصولَ وعلمَ الكلام، وعمِلاَ بذلك وحملاه واسطةً للفقه أيضا. وفي بعض سند الربيع رجال ليسوا من أصحابنا [ … ] وجلُّ مسائل المنهاج من غيرنا بلا نسبة إلى غيرنا [ … ] وما زال أصحابنا يأخذون من كتبهم كأبي ستة وصاحب القناطر»(3). ثم إن كثيرا من العلوم والمعارف تؤخذ من غير الإباضية، وتدرَّس، كاللغة والتفسير، والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق، وتبنى عليها أحكام فقهية(4)، وإن جُلَّ المسائل العقديَّة والكلاميَّة، كأسماء الله الحسنى، وأسماء النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأهوال الحشر والبعث والموقف والجنة والنار، من كتبٍ غير إباضيةٍ، فإن لم يأخذ منها المتعلم حُرمَ بركتها(5).

(1) -المصدر نفسه، 1/ 89 - 92.

(2) -المصدر نفسه، 1/ 90.

(3) -المصدر نفسه، 1/ 92.

(4) -ينظر: المصدر نفسه، 1/ 91.

(5) -ينظر: المصدر نفسه، 1/ 92.

١٨٤ / ٣٠٤