مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

13 شريفي - قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٩

من أبرز القضايا الكلاميَّة التي تغيَّر فيها رأي السالمي بسبب تلك المراسلات، هو تجويزه أن يغيِّر الله تعالى ما كتبه في اللوح المحفوظ، فبعد أن لقي نقدا لاذعا، وحكما قاسيا من القطب، وبعد أن دوَّن رأيه في كتابه ”مشارق أنوار العقول“، عدل عنه فمحاه. فقال عن هذا التطوُّر: «ولنا عند قولنا بثبوتها تشبُّثات كنَّا نظنُّها حُججا، ثُمَّ ظهر لي بعد مناظرة طويلة من إخواننا المتعلِّمين صواب ما قاله شيخنا [صالح الحارثي] في منع تغيير ما كُتب في اللوح، فرجعتُ عمَّا كتبته في المشارق [ … ] فلذا كتبت إلى أهل الآفاق بإبطال مسألة اللوح في نُسَخ المشارق [ … ] فالحقُّ الذي لا مرية فيه أَنَّ ما كتب في اللوح لا يصحُّ تبديله»(1). وقد ذكرنا سابقا الحُكْمَ القاسي الذي أصدره القطب فيمن يجوِّز تغيير ما في اللوح المحفوظ، وهو كفر النعمة. وقد تركت هذه الفتوى أثرًا بالغًا في قلب السالميِّ، ويوحي بذلك جوابه لأحد سائليه: «هذه المسألة في غاية من الإشكال، وهي التي أوقعت محبَّك في مسألة اللوح الممحوَّة من ”المشارق“ لا أبقى الله لها ذكرا!!»(2).

2 - توجهات سياسيَّة:

كان الشيخ نور الدين السالمي مساندا مخلصا لشيخه صالح بن علي الحارثي في مواجهته العنيفة للسلطان، ثم ما لبث أن تحوَّل إلى المعارضة السلمية بعد وفاة أستاذه الذي كان ينتظر أن يكون هو الإمام الشرعي. ولعل تغيُّر موقفه كان استجابة لمراسلة القطب اطفيَّش التي دعاه فيها إلى مداراة السلطان ليعمل على تنفيذ شرع الله تعالى في إبطال ما فرضه الاحتلال الإنجليزي على حكَّام عمان، من إباحة استيراد الخمور والخنزير والدخان، علما أن معارضي السلطان تركي بن سعيد وابنه فيصل قد رفضوا هذه الموالاة للإنجليز رفضا قاطعا، وانتقدوها عليهما أشدَّ الانتقاد … قال القطب: « … وأنصحكم لله أن تطلبوا من الجائر وتداروه ولو بمال أن يخلِّي بينكم وبين إهراق الخمر وقتل الخنزير وإبطال الدخان، وبينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بذلك، ويكون عونا لكم، وجاء الحديث: "إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عليه فدعوه حتَّى يكون الله هو المغيِّر له"(3)»(4).

(1) -السالمي: العقد الثمين، 1/ 240 - 241. جوابات الإمام السالمي، 5/ 436 - 438؛ 6/ 200 - 201.

(2) -جوابات الإمام السالمي، 6/ 181 - 182.

(3) -رواه الطبراني في الكبير بلفظ: «إذا رأيتم أمرا لا تستطيعون تغييره فاصبروا حتَّى يكون الله هو الذي يغيِّره»، رقم 7685، 8/ 164. وفي سنده عفير بن معدان، قال النسائي: «ليس بثقة ولا يكذَّب حديثه». وقال الذهبي: «ضعَّفوه»، وقال المناوي: «قال الهيثمي: عفير بن معدان ضعيف، وفي الميزان: حديث منكر»، فيض القدير، 1/ 360.

(4) -كشف الكرب، 2/ 90، وتكرر في: 2/ 379.

١٨٦ / ٣٠٤