14 ابن عمر - المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي
الجزء ١٥ · صفحة ٢١٠فضح النتائج الخطيرة المترتبة عن الأساليب المدسوسة المنتهجة في المدرسة الفرنسية بما تلقنه للشبيبة من أفكار معادية للهوية والدين، أو ما تصطبغ به الناشئة من أخلاق فاسدة وعادات تدعو إلى الانحلال، حتى أصبحت هذه «الألسنة الأوروبية في الأفواه الإسلامية أشد خطرا على الإسلام من أعداء الإسلام … وتلك نتيجة طبيعية لتعليم برنامج مؤسس على قلب وضعية الإسلام رأسا على عقب … وهل ينتج غير هذا، تعليم لا ذكر للغة العربية فيه، ولا لتاريخ الإسلام، وجغرافية بلاد الإسلام إلا عرضا؟ وهل ينتج غير ذلك، تعليم قوامه مجد أوروبا وإحياء عظمتها، ونشر لغاتها، وإتقان آدابها!؟ …(1)».
غير أن ظروفا مضت وأقبلت أخرى دفعت أعلام مزاب وخاصة المصلحين منهم إلى الاقتناع بضرورة تسليح أبناء مزاب بتعليم فرنسي يمكنهم من شغل المناصب لتفويت الفرص على الانتهازيين والطموحين من صنائع الإدارة الفرنسية، ومقاومة الاستعمار بنفس سلاحه وفي مواقعه التي ينطلق منه غزوه الثقافي. وفي هذا الصدد طالبت جمعية الإصلاح التي تعمل على ترقية التعليم العربي الحر، في عريضة لها بترقية التعليم الفرنسي أيضا بعد مطالبتها بتحرير التعليم العربي من مضايقات الإدارة، ملفتة الانتباه إلى أن الحائزين على الشهادة الابتدائية يتعذر عليهم مواصلة دراستهم الثانوية لقصور تكوينهم ويضطرون إلى رفع مستواهم لمدى سنة أو سنتين وهو ما يقلل فرص التحاقهم بالثانوية بعائق تجاوز السن القانونية.
وطالبت الجمعية تمكينها من فتح أقسام للتعليم الفرنسي في مؤسساتها التعليمية الحرة،(2) وقد يكون هذا المطلب لاستدراج السلطة لقبول مطالب أخرى تقدمت بها في المجالات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمالية المتضمنة في عريضتها تلك، أو دعما لتلاميذ التعليم الحكومي لمواصلة دراستهم الثانوية التي أصبح دخولها بعيد المنال للكثير من المتمدرسين، أو لإيجاد بديل للتعليم الفرنسي الحكومي الذي يكتسي لدى أهل مزاب حساسية التعامل مع كل ما هو فرنسي أو أوروبي.
2.2 أعلام مزاب والتعليم الفرنسي للبنات:
وبقدر ما كان الحساسية بادية في مسألة تعليم البنين، فإن درجة هذه الحساسية وذلكم التحفظ، سجلت بأضعاف كثيرة في مسألة تعليم البنات في المدارس الحكومية الفرنسية التي ألزمها عقد من الزمن لفتح قسم يضم 27 بنتا، بعد جهود مضنية "وعلاقات شخصية" قام بها (م. مزنار M.Mesnard) المدير الجهوري لمدارس مزاب
(1) - د. محمد ناصر، المرجع السابق، ج 2، ص 30 - 31.
(2) - ر. م. ش. ع حواش ملف Enseignement رقم 13/ 1312، محضر جلسات جمعية الإصلاح 1937.