مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

14 ابن عمر - المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي

الجزء ١٥ · صفحة ٢١١

الفرنسية هو زوجته في الموسم الدراسي 1941 ــــ 1942؛ وهو الموسم الأول لتعليم البنت في غرداية وهي نتيجة رآها م. مزنار، هامة ولكن غير كافية لتعداد سكان قدره 13000 نسمة.

ومع ذلك فإن هذا المدير الجهوي سجل ملاحظتين حول هذه المبادرة: أولاهما أن تحفّظ المزابيين عموما من إدخال بناتهم بالمدرسة (الفرنسية)، ويجب، حسبه، انتظار سنوات أخرى لتغير نظرتهم باستثناء عدد محدود جدا من الأعيان والقياد. أما الثانية فهي على العكس من ذلك عدم معارضة "العرب المالكية" لتمدرس بناتهم بالمدرسة الفرنسية، ولكن لا يولون اهتماما لهذه المسألة، وتفضل الأم بقاء ابنتها في البيت للقيام بأشغاله أو لأنها تخاف على ابنتها من حوادث الطريق بالإضافة إلى الحالة الاجتماعية والاقتصادية المعسرة التي لا تمكن من شراء لوازم المدرسة.

واقترح المدير الجهوي المذكور على رئيس الملحقة إعطاء الأولوية لبنات الموظفين والأعيان والمسيرين، ثم استدعاؤهم لتسجيل بناتهم بالمدرسة لتفادي أية مقاومة حادة مثل التي ظهرت عند تجربة تعليم البنين بالإجبار، وهذا في اعتقاده «في خدمة المسلمين والعرب، وفي خدمة القضية الفرنسية التي من أجلها يخدم الفرنسيون هذا البلد»(1).

3 - خطط الإدماج والتجنيس

كان الدين الإسلامي واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن عنصرين أساسيين من عناصر الهوية الجزائرية، وكانا وراء تعبير الإنسان الجزائري عن ثقافة الرفض للعنصر الدخيل، الذي لم يخضع له إلا خضوع المغلوب للغالب(2).

إن هذا التفسير يمكننا من تفسير شهادة لأحد أعوان الإدارة الفرنسية بمكتب قسنطينة في مراسلة مؤرخة يوم 9 مارس 1861 وهو (فريديريك لكروا Fréderic Lacroix)، الذي سارع فور الاتصال بها ليرسلها للماريشال) الكونت (دي راندون C. De Randon) الحاكم العام، الذي حولها بدوره وعلى جناح السرعة إلى الإمبراطور نابوليون الثالث.

وأهمّ ما تضمنته شهادة هذا العون الفرنسي في تقريره قوله: «لقد تحصّلت ثلاثون خيمة من "البرّانية" التي تشكل دوار "فرلاتي"، منذ شهرين على رخصة الدخول إلى تونس، و قد وصلوا إلى "حدود الكفار". هنا يقومون بنزع ثيابهم و باقي الأشياء ثم يرمونها لمهب الريح. بعدها، ينفضون برانسهم بكل ما أوتوا من قوة قبل أن يغسلوها. يطلّقون زوجاتهم، يتطهرون، يصومون ثلاثة أيام ويعتكفون للصلاة، ليدخلوا بعدها "دار الإسلام " (تونس). هناك، يستعيد الرجال نساءهم عن طريق عقد نكاح شرعي جديد، وهذه المرة يقيمون حفلا كمن يعتنق الإسلام لأول مرة. ومن جهة أخرى ــــ يضيف نص المراسلة ــــ هناك ثلاثة آلاف خيمة أخرى تطلب بإلحاح رخصة المرور إلى تونس»(3).

أن فحوى هذه المراسلة، بالرغم مما فيها من مجانبة الصواب في بعض تصرفات أولئك اللاجئين، حسب قوله، تعبر بدلالات واضحة إلى ذلك الرفض العميق لهذا الواقع المفروض.

1.3 أعلام مزاب والاندماج

كان إلغاء قانون الإندجينا في فيفري1919، والانتخابات البلدية التي جرت بمدينة الجزائر في ديسمبر من نفس السنة، قد شكلا محطة إقلاع جديدة في تاريخ الهوية الوطنية الجزائرية فلقد أفضت من جهة إلى انقسام طبقة النخبة إلى اندماجيين و مناهضين للاندماج، وكشفت حقيقة الرأي الجزائري الرافض للإدماج.

وحول موضوع الأهالي والاندماج، مقال نشرته صحيفة برقية الجزائر ( La Dépéche d’Alger) ، أعادت "وادي ميزاب" نشره، تعرض فيه صاحبه باروكان.(4) لمزاعم جماعة النخبة ومطالبتهم بالإدماج، وبين في ذلك المقال بأن «الاندماج شيء مستحيل لأنه لا يعبر عن رغبة الأهالي ولا الفرنسيين». والحق ما شهد به الأعداء.

ومن هنا فإن الجزائري، حسب وجهة نظر الفرقد، لا يخدم وطنه إلا إذا اتخذ وسيلة محدّدة، وهي معارضة السياسة الاستعمارية بسياسة وطنية صرفة، على أن يحذر من سياسة الاندماج. إذ بقطع النظر عن البحث في معاني كلمة الاندماج، فإن معنى هذه الكلمة حسبه «مرادفه فتح الجزائر أدبيا بعدما تم فتحها ماديا، والقضاء على العاطفة الدينية الإسلامية والوطنية القومية، هذه الغاية التي يسعى لتحقيقها أنصار الإدماج»(5).

2.3 أعلام مزاب والتجنّس

واكب هذا الزخم مثيل له لدى التونسيين لما صدر في 20 ديسمبر 1923، فمما

(1) -ر. م. ش. ع. حواش ملف Enseignement رقم رقم 5/ 1342: الدخول المدرسي الفرنسي في غرداية، ميزنار وزوجته وتعليم بنت مزاب، تقرير مؤرخ في 19/ 11/1941.

(2) - مصطفى الأشرف، الجزائر .. الأمة و المجتمع، ترجمة حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص. 16 ــــ 21.

(3) - A.R.Goldzeiguer، Le royaume arabe، OpCit.،P.132

(4) - كان صاحب المقال مديرا لجريدة الأخبار الفرنسية.

(5) - محمد فنانش ومحفوظ قداش، نجم الشمال الإفريقي 1926 - 1937، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2002، ص 50 - 52 نقلا عن مقال في الإقدام الباريسي، في 1930، للفرقد، بعنوان: "حول تأسيس حزب وطني إسلامي في الجزائر ".

١٩٨ / ٣٠٤