مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

02 بوحجام - البناء الحضاري للفرد

الجزء ٣ · صفحة ٢٢

8 - إنّ الفئة المرعية في الدّرجة الأولى في هذه التّنشئة هي طلبة العلم، الذين يتسرّب الفكر بواسطتهم في عمق المجتمع إلى ما لا نهاية له، في امتداداته: مكانًا وزمانًا، وقوّة ونجاعة ..

هذا ما قام عليه منهج مشروع الخدمة التي يستقي من مرجعية فتح الله كولن ويستند إليها في كلّ ما يبدي ويعيد من أساليب وأعمال، وما يمحو ويثبّت من آراء وأقوال. هذا الفكر الذي حاول صاحبه أن يثبّته في عقول من يتعلّق بشخصيته، ويسكنه في قلوب من يؤمن بآرائه، ويتعاطف معه ويستمسك بغرزه. يقول الدّكتور محمد بابا عمّي: " والسّرّ في نجاح الأستاذ كولن، هو أنّه يؤمن أنّ أيّ فكر إذا لم يُقبلْ لَنْ يُكتَبَ له النّجاح، وأنّ أيّ فكر إذا لم تكن فيه إمكانية التّطبيق لن يحقّق شيئًا. وعلى إثر هذا المنهج أسّس الأستاذ (أي كولن) دُورًا للطّلبة، على شاكلة دار الأرقم، وضع لها مخطَّطًا تربويًا بديعًا، منطلقًا من قوله تعالى: ﴿ … فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)﴾ (النّور: 36) فلمّا تبيّن نجاح هذه الخطّة، تسابق التّجار والمحسنون في بناء العشرات من البيوت على شاكلتها … حتّى عمّ خيرها تركيا كلّها، بعد أمد قصير … "(1).

من هذه الدّور تبدأ رحلة التّربية والتّكوين والإعداد، التي تتيح التّحكّم في التّوجيه: فكرًا وعاطفة ووجدانًا، يقول الأستاذ فتح الله كولن: " إنّ رقيّ أيّ أمّة وتقدّمها مرتبط بمدى التّربية التي يتلقّاها أفرادها من النّاحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والوجدانية"(2). هذه القاعدة مطبّقة في بيوت الطّلبة بدقّة وعمق ..

هذه الدّور مرتبطة بالمدارس التي أنشأتها جماعة الخدمة في تركية، هي تعمل بمنهج تكاملي بينها، وتسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها. هذه الأهداف المسطّرة في هذه المدارس، التي تجتهد في إعداد التّلميذ للمستقبل، وتهيئته لخوض معترك الحياة بقوّة وجدارة، هي تتوجّه وتحرص على تنشئة التّلميذ أن يكون: "- واثقًا من نفسه. – منسجمًا مع بيئته. – متبنِّيًا للقيم الإيجابية. – مؤمنًا بالقيم الإنسانية العامّة. – له رؤية شمولية. – متقنًا للغته الأمّ، وله لغة أجنبية قد تمكّن فيها. – يكسب معرفة تكنولوجية عالية. – بارزًا في رياضة واحدة على الأقلّ. – له قدرة فنيّة ومهارة وموهبة في

(1) -البراديم كولن، ص: 173.

(2) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 88.

٢٠ / ٣٠٤