02 بوحجام - البناء الحضاري للفرد
الجزء ٣ · صفحة ٢٤يتحرّك فيها، وفي الصّرح العلمي الذي يكون فيه … يقول الأستاذ كولن: " أحسن إلى من أساء إليك … وبالذّوق الرّفيع قابل المفتقر إلى الذّوق … فالأقداح بما فيها تنضح … وبعلوّ نفسك وسموّ خلقك عامل فقراء السّلوك والخلق"(1).
هذا المظهر هو أحد سمات عظمة نظام الفريق الذي تضمّه الأكاديميا، فمكّنه من تحقيق أهدافه المسطّرة بثقة كبيرة، وكفاية عالية، كما تفرضها الرّسالة التي هي منوطة به، انطلاقًا من المبادئ التي تربطه والقيم التي ينتمي إليها. فهذا تفكير جيّد، وتدبير حسن، ونظر عميق ..
يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض منبّهًا إلى واجب الاعتناء بتربية الذّوق في النّابتة لتكوين الإحساس بجمال الأخلاق الحسنة فيهم: " … وتكوين العقول السّليمة والأذواق السّليمة فيهم، فيكون حكمهم في كلّ الأمور صحيحًا، واختيارهم حسنًا. لا بدّ من تربية الذّوق السّليم في الإنسان، إنّه عدّته في العمل، ومن أسباب نجاحه وسعادته. إنّ الله حفّنا بما لا يحصى من أنواع الجمال؛ ليكوّن فينا الذّوق السّليم المرهف. ومن صحّ ذوقه أدرك الفروق الدّقيقة بين القبح والجمال في كلّ مظاهره، وفي الأخلاق وفي الأعمال، فيتّصف بها ويأتيها، ويكره القبح في كلّ مظاهره وأشيائه، وفي الأخلاق والأعمال السّيّئة فيتنزّه عنها.
من أسباب الاستقامة واللّطف في المعاملة والخلق القويم هذا الذّوق السّليم، الذي نحرص على تكوينه في أبناء مدارسنا؛ ليدركوا جمال القرآن، ويعرفوا معجزة نبيّنا عليه السّلام في القرآن، ويعرفوا الجمال في أدبنا العربي، فيزدادوا حبًّا وإكبارًا للغتنا العربية، وإعزازًا بها، ويدركوا الجمال بالفصاحة والبلاغة، فنستطيع التّأثير في نفوسهم بالفصاحة والبلاغة، ويتّصفوا بها؛ فيستطيعون التّأثير في غيرهم، ويصلون أغراضهم الكبرى في الأمّة"(2).
إذن إنّ الإحساس بالحمال، يثمر ذوقًا سليمًا، والذّوق الحسن يبعث على السّلوك الحسن، والسّلوك الحسن يبني حضارة .. هذه هي التّربية الصّحيحة الرّصينة …
11 - البناء الفكري مهمّ في تكوين شخصية الفرد، وتنشئته على النّموذج الصّحيح للسّير في الحياة بخطى ثابتة، والتّحرّك بشكل سويّ، لأنّ الفكر هو الذي يقود المسيرة، ويسوق الرّكب، ويوجّه السّلوك، هذا لن يحصل إلاّ بالعلم الصّحيح والمعرفة النّافعة. يقول فتح الله كولن مبرزًا أهميّة هذا البناء، ومبيّنًا العواقب السّيّئة النّاتجة عن إهماله، أو الغفلة عنه: "على كلّ أب وأمّ ملءُ رؤوس أطفالهما بالعلم والمعرفة، من قبل أن يتمّ ملءُ هذه الرّؤوس بما لا ينفع؛ لأنّ القلوب الخالية من الحقيقة، والأرواح الخالية من المعرفة بمثابة مزارع صالحة لإثبات كلّ الأفكار الضارّة ولنمائها، ويكون الحصاد من نوع البذور التي بُذرت فيها"(3).
للشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي (1319– 1406هـ/ 1901– 1986م) رأي في الموضوع يدعم هذه الفكرة، ويثبت هذه القاعدة: " … فبالعلم وحده يتبوّأ الأفراد والجماعات أسنى المراتب وأسمى المقامات، وهو الذي ينير ما احلولك من سبل الحياة، ويحلِّي ما امرارَّ من طعم العيش في اللّهوات، يعلي الكعب على الخصم، ويمنع صاحبه أن يناله ظلم أو هضم"(4).
12 - التّربية الفكرية تكون أكثر نجاعة إذا ربطت وغذّيت بالتّربية العاطفية الوجدانية منذ الصّغر، بل إنّ الاعتناء بهما مبكّرًا مطلب أساس؛ لضمان التّقدّم المنشود في عملية البناء السويّ، والإعداد القويّ. يقول فتح الله كولن: " إنّ رقيّ أيّ أمّة وتقدّمها مرتبط بمدى التّربية التي تلقّاها أفرادها من النّاحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والجوانية"(5).
13 - العمل والتّحرّك يكونان انطلاقًا من خطّة مرسومة، والنّشاط يتمّ وفق مشروع محدّد؛ لتجنّب الفعل العشوائي، والبعد من الانزلاق في حمأة التّصرّفات المشينة، والنّأي عن العبثية، والابتعاد عن حصد نتائج تورّث الحسرة والنّدامة … يقول فتح الله كولن: "على كلّ إنسان أن يتناول كلّ عمل ضمن خطّة مسبقة وتدبير، وعليه تجنّب كلّ شيء لا يؤدّي في النّتيجة إلى فائدة مادية وفضيلة معنوية تجنّبًا قطعيًا. فكلّ محاولة لم يؤخذ لها هذا التّدبير منذ البداية تعدّ عبثًا، والاشتغال بالعبث يدلّ على نقصان عقل ذلك الشّخص وطفولة عقليته"(6). هذه القاعدة يتحرّاها الفرد مع
(1) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 22.
(2) -محمد علي دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الرّابع، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م، ص: 148.
(3) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 11.
(4) -الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، حقيقة التّعليم في فكر الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م، ص: 81.
(5) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 8.
(6) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 16.