مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

02 بوحجام - البناء الحضاري للفرد

الجزء ٣ · صفحة ٢٥

نفسه، وحين يتولّى تربية غيره ــــ بخاصّة النّاشئة ــــ وهو يقوم بعملية بناء الذّات وتكوين الشّخصية، وإعداد الرّجل ..

14 - من تمام التّحرّك ضمن مشروع واضح وخطّة معلومة في عمليّة البناء، وضوح الهدف، ورسم الغاية، بداية بلحظات التّفكير، وفي مستوى الفكر الذي ينتظم الحركة والنّشاط؛ حتّى يكون العمل مثمرًا منتجًا نتاجًا حسنًا، فهذه القاعدة تجنّب المتحمّسين للنّشاط، والمثابرين في العمل، والمصابرين في الميدان .. مغبّة الوقوع في حبائل التّذبذب والتّردّد، ويقيهم مهالك التّيه والفوضى، ويبعدهم عن مصائد الخسارة والفشل. يقول فتح الله كولن: "يجب أن يتوضّح الهدف والغاية في مستوى الفكر، ويحتلّ المركز الأوّل فيه، وإلاّ تعدّدت الأهداف، وظهر الاضطراب والفوضى. فكم من حملة نشاط واعدة فشلت في إعطاء أيّ نتيجة إيجابية وأيّ ثمرة بسبب الفوضى في تعيين الهدف والغاية. وعلاوة على عدم وصولها إلى أيّ نتيجة طيّبة وخبرة تخلف وراءها أكوامًا من الأحقاد والنّفور"(1).

بل: "من شروط تقدّم الأمّة وصول أفرادها إلى وحدة الهدف والغاية. فلا يمكن توقّع تقدّم صحيح وسليم في مجتمع انقسم أفراده شيعًا وطوائف متناحرة"(2).

15 - ممّا يسهم في بناء النّاحية الوجدانية في الفرد درس الأدب الذي يجب أن يهتمّ به في عملية البناء الحضاري؛ فمن طبيعة الأدب إرهاف الحسّ، وتهذيب الوجدان، وتنمية العاطفة، وتكوين الذّوق .. كلّ ذلك يوجد التربة للزّرع الجيّد، ويهيّئ الأرضية للبناء الحضاري .. يقول الدّكتور جودت الرّكابي: "إنّ للدّراسات الأدبية المكانة الأولى في إعداد النّفس وتكوين الشّخصية وتوجيه السّلوك الإنساني العام. ولذا فقد خصّت هذه الدّراسات بالمرحلة الثّانوية، التي معها ينفتح وجدانهم، فيكونون بذلك قادرين على تلمُّس ما يقدِّمه لهم درس الأدب من تهذيب الوجدان، وتصفية للشّعور، وصقل للذّوق، وإرهاف للإحساس.

والأدب ذو أثر فعّال في تربية الشّعوب وتكوين الأجيال، فبالكلمة الجميلة نحارب القبح والظّلم لنبني عالم الخير والجمال، ولذا فقد كان الأدباء دومًا مشاعل هداية تنير للعالم الطّريق نحو الحياة المثلى"(3).

(1) -المصدر السّابق، ص: 22.

(2) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 10.

(3) -الدّكتور جودت الرّكابي، طرق تدريس اللّغة العربية، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م، ص: 173.

٢٣ / ٣٠٤