16 الباروني - قراءة تحليلية في شرح اسماعيل الجيطالي للمنظومة النونية
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٤الخلف والاهتمام بصونها من أسباب التّلف، حتّى أثلج الشكُّ بعض الخواصِّ فضلا عن العوَّام في بعض ما اعتمد عليه السَّلف الصَّالح في بدء الإسلام من أصول الدِّيانات وقواعد الاعتقادات، وإلى الله أشكو ما حلَّ بالنِّحلة المرضيَّة من الخلل، وما دخلها من الوهن في القول و العمل»(1).
تبدو الغاية الأولى في هذا الكلام مرتبطة بدواعي التّأليف عند الجيطالي، وهي دواع تعلّقت بنزعة إحيائيّة، جعلتها قائمة على إعادة ما غيّب، أو ما كاد أن يذوب من فكر السّلف، ومرتكزة على إبانة أسس ذلك الفكر وأطروحاته.
أمَّا الغاية الثّانية، فإنّنا نجد الإشارة إليها بمتابعة ما جاء في فاتحة الشّرح من كلام الجيطالي حيث قال: "ثم إنّي نظرت إلى قصيدة الأفضل الفقيه الأجلّ أبي نصر فتح بن نوح رحمه الله، فوجدتها قد اشتملت على جمل من الأصول الدّينية مع خلوّها من التّفسير وشغف الطّلبة بحفظها من غير معرفة بجلّ شرحها مع إغفال الأوّلين عن تلخيصها ليفهم عنهم المتأخّرون جمل فنونها … "(2). تفصح هذه الغاية عن منحى تعليمي توجيهي لدى الجيطالي، دفعه إليه عاملان اثنان:
*الأوَّل أنَّ المنظومة النّونية نصّ عقدي بدا مستعصيا على الفهم في ألفاظه ومعانيه.
*والثّاني يتمثّل في ما لقيه هذا النصّ من صدى في الأوساط الإباضيّة، جعل دواعي الاهتمام به بشرح لغته وإظهار معانيه حاجة أكيدة تلبّي نسبة الرّواج التي شهدها في عصره.
ثمّ جاءت غاية ثالثة وراء وضع هذا الشّرح، عبّر عنها الجيطالي في خاتمة مقدّمته بقوله: "ثمّ إنّي رأيت معالم الدّين قد استحالت ودعاة إبليس قد استطالت وتمرّدت، خشيت على نفسي وعلى أبناء جنسي من أهل الدعوة المرضيّة والنّحلة الإباضيّة من تلبيس المخالفين من أهل هذه الملّة القويمة والسيّر المستقيمة."(3)
بدا الجيطالي من خلال كلامه على وعي بالخطر الذي يهدّد معالم الدّين في عصره، وهو ما جعله حريصا في عمله هذا على أن يقف في وجه هذا الخطر بالنّظر في دواعيه والتصدّي لها. ويمكن القول إنّ الغاية الأخيرة عند الجيطالي هي غاية دفاعيّة قوامها الذّود عن المعتقد والاحتجاج له بشكل يضمن له استقلاليته ويحقّق له ديمومته.
وكان طبيعيا بعد بيان دواعي التّأليف وبسط أهدافه، أن يشير صاحب الشّرح إلى خطّة العمل ومنهجه فقال: "استخرت لأؤّلف كتابا جامعا لجمل من المسائل
(1) - الجيطالي: شرح النّونيّة، المقدّمة، ورقة 1 قفا.
(2) - الجيطالي: نفس المصدر، ورقة 3 وجه.
(3) - الجيطالي: نفس المصدر، نفس ورقة.