16 الباروني - قراءة تحليلية في شرح اسماعيل الجيطالي للمنظومة النونية
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٥الأصليّة ولمع من الكلام المؤيّد بالشّواهد القطعيّة والآثار السّمعية مدرجا فيه شرح القصيدة المذكورة ومتضمّنا قواعد المشهورة …(1).
بهذا حدَّد الجيطالي دواعي التّأليف وحصرها في غايتين اثنتين تؤولان إلى مقصد واحد: إحياء العقيدة وتوجيهها لأجل تأصيلها وصيانتها من خطر النّسيان في محيطها الداخلي، ومن خطر الذَّوبان في إطارها الخارجي(2). وعلى هذا الأساس يمكن القول إنَّ للجيطالي وهو يعتزم شرح النونيَّة منطلقين:
منطلقا معرفيًّا محضا أطَّره منطلق مذهبي إديولوجي، كان الدَّافع إليهما الذّود عن العقيدة الإباضيّة ذودا فرضته العوامل السّياسيّة والاجتماعيّة، وحتّمته الظّرفيّة التّاريخيّة التي واكبها الجيطالي في بيئته الإباضية وقتئذ(3). ولقد تمكنّا في ضوء هذين المنطلقين أن نلج شرح الجيطالي انطلاقا من بعد جوهريّ هو البعد التّصنيفي الذي نتناول من خلاله منهجيّة الشّارح في تفكيك النصّ الأصليّ وحلّ أقفال لبسه.
وحينما نبصر بعين ثاقبة في منهج الجيطالي وهو يتناول المنظومة النّونيّة كنصّ أدبيّ في حدّ ذاته، نجد أنّه لم يفكّر في أن يشرف عليها بنظرة إجماليّة من شأنها أن توضّح أجزاء القصيدة وتبيّن حدود مقاطعها. فهو غالبا ما كان يخرج من شرح بيت أو بيتين إلى آخر دون الاهتمام بالتّحوّل الموجود داخل القصيدة ودون أن يشعرنا به، رغم الوشائج المعنويّة الموجودة بين أبيات المنظومة. وكان اهتمامه مرتكزا أوّلا على معرفة اللّغة والإعراب على وجه يتيسَّر به فهم الخطاب لدرك حقائق المقاصد منه. لذلك جاء الشّرح اللّغوي غزيرًا ومتنوِّعا في معظمه، سيما وأنّه كان غالبا ما يستشهد بأقوال شعريّة لشعراء عرب على اختلاف العصور، وبأقوال وحكم وأمثال مختلفة نسبة وزمنا، حتَّى يقارب بينها وبين ما جاء في قول الملوشائي وهو ما يعرف باسم شرح المقارنة.
وليس غريبا على رجل كالجيطالي متضلٍّع في فنون الشّعر والأدب متمرِّس في مباحث الدين وعلومه، أن يعتمد هذا النّوع من الشّرح الذي يقتضي رواية الشّعراء بعضهم عن بعض، ويفترض حفظ ما جاء في أمّهات
(1) - الجيطالي: شرح النونية، المقدّمة، ورقة 3 وجه.
(2) - نقصد بالإطار الداخلي المحيط الإباضي، أمّا الإطار الخارجي فهو محيط العقائد المخالفة.
(3) - كان الجيطالي من المدركين لما شاب ذلك الواقع من فتن، وما اعتراه من تفريط في الدّين، فأراد تجلية الجادَّة الصَّواب لمن ضيَّع الطريق من بني مذهبه وغيرهم من النّاس.