16 الباروني - قراءة تحليلية في شرح اسماعيل الجيطالي للمنظومة النونية
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٦الكتب نظما ونثرا. وإنّا نعتبر في هذا السّياق أنّ في هذه الاستعانة الموسّعة بما وراء النّص، تأكيدا على أنّ الجيطالي لا يخطّئ الملوشائي فيما تخيّره من الألفاظ والتّراكيب والمعاني، وهو موقع بدا لنا موضع نظر خاصّة وأنّ الرّجلين شهدا حقيقة الوضع الإباضي في أبعاده المختلفة لذلك جاءت الاهتمامات موحّدة والمقاصد مشتركة.
ولا مناص في حومة هذا الاتّفاق في الأهداف من الإجماع على أساليب النّظر والتّفكير وإن اختلفت في قالبها العام(1). وهذا ما يدلُّ على أنَّ الكتابة الكلاميَّة عند الإباضيَّة منبثقة من سَنَن مشتركة في مستنداتها النظريَّة ومنطلقاتها المبدئيَّة. فكان لزاما أن تقوم علاقة ما بين كتابة الملوشائي وموقف الجيطالي منها تضعهما على طريق مشترك في آليَّات التعبير وأدواته.
وإذا نظرنا في مجهوده التوثيقي وهو أحد مميٍّزات الجيطالي في هذا الشرح، نلاحظ طغيان المصادر ذات الأصل اللّغوي والأدبي والفلسفي والأصولي والفقهي، إضافة إلى الجمع بين المصادر الكلاميّة الإباضيّة وغير الإباضيّة المؤلّفة لتراث مترامي الأطراف. وقد فرض هذا المجهود التّوثيقي منطق الاستدلال الواسع على الآراء وإثبات الحجَّة فيها من معيناتها المختلفة إن اجتمع لها ذلك، ممَّا يجعل تلك الآراء على قدر من اليقين المؤدِّي حتما إلى الإقناع.
وقد اعتمد الجيطالي في مصنَّفه هذا منهجا تحليليًّا مقارنا أورد من خلاله مختلف الآراء والمواقف الكلاميَّة مدعَّمة بأدلَّتها، ومنسوبة إلى أصحابها أو إلى المنظومات والمدارس المؤطّرة لها.
وقد جاءت مادّة هذا المنهج موظّفة لغرض الجدل والحجاج بما هما من اللّوازم الأسلوبيّة والضّرورات المنهجيّة قد فرضهما منطق الدّفاع الذي شكّل الغرض الأساسي من الشرح، وهو إحياء أصول الاعتقاد في غمرة محنتها وتأصيلها بالذّود عنها من طعون المخالفين. ولعلّه يمكننا بذلك أن نعتبر هذا الشرح وثيقة هامّة من الأساليب التي كانت سائدة في الحجاج والجدل.
والنّاظر في أعطاف الشرح يتبيّن كيف عمد الجيطالي وهو يخوض في المباحث الكلاميّة ويؤصّل لمنظومة الاعتقاد إلى التّوسّع حينا، وكيف جنح إلى الاختصار حينا آخر(2). وكيف كان يعتمد المقارنات بين آراء الإباضيّة وبين آراء
(1) -الملوشائي أصَّل لمنظومة الاعتقاد في قالب شعري و الجيطالي أصَّل لها في قالب نثري.
(2) -من المباحث الّتي توسّع الجيطالي فيها نذكر: الصّفات والأسماء: الشّرح ج1 ورقة 153 وجه 191 وجه. ومن المباحث الّتي خاض فيها باختصار نذكر: خلق القرآن: الشّرح. ج1/ ورقة 123 وجه.