مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة

الجزء ١٨ · صفحة ٢٤٤

كما نلاحظ استعمال ألفاظ تدل على كون الحديث صحيحا عند الفقيه مثل: " أجمع أهل الحديث"، "وقد جاءت الرّوايات الصّحيحة"، "أجمع النّاس على صحّة الرّواية"، وإذا كان في الحديث بعض الضعف فإنه يذكره بقرينة تدل على ذلك، مثل ما رأينا في حديث الصدقة، حيث ذكره ابن بركة بصيغة التمريض: "يروى"، وفي معظم طرقه مقال عند نقاد الحديث.

وبالمقارنة مع درجة تلك الأحاديث في كتب الرواية والتخريج نجد حكمها متفقا مع ما يذكره الفقهاء، من خلال الأمثلة السابقة على الأقل.

وبغضّ النّظر عن بعض الأسانيد المعنعنة الموجودة في كلٍّ من مسند الرّبيع بن حبيب، ومدوّنة أبي غانم، ــــ كما سأذكره لاحقا ــــ، وبعض ما هو مبثوت في كتب أخرى، نلاحظ السّمة الغالبة التي ذكرناها من خلوّ كتب الإباضية من الأسانيد، حيث يوردون الآثار والأحاديث عندما يطمئنّون لصحّتها، أو على الأقلّ قبولها، بصيغة: "يُروَى" أو" روى"، ومرادفاتها، ويمكن هنا أن أصطلح عبارة "شهرة الحديث"، كمقياس للقبول عموما.

ومن المفيد هنا ذكر هذا النصّ الذي يبرز صورة وطبيعة الإسناد في المذهب الإباضي، إذ يعبّر عنه بـ"سلسلة الدّين" أو "سلسلة العلم"، وهي تشير إلى طريق نقل تراث المذهب بمختلف فروعه العقدية والحديثية والفقهية والتاريخية، وأشهر العلماء الذين أسهموا في ذلك النقل في دوائر الإباضية بالمشرق والمغرب.

جاء في المصنّف للكندي(1) جوابا على سؤال: ما الحجّة على مخالفينا إذا سألونا عن مذهبنا عن من نقلناه وعن من نقله من الأصل؟.

قال: "نقله علي بن محمد، عن الشّيخ أبي محمد بن بركة رضي الله عنهما وعن أبي يعقوب إبراهيم بن عبد الله الحوقي، وأبو محمد عبد الله نقله عن الشّيخ أبي مالك وأبي يحيى سعيد بن عبد الله الإمام، وأبو مالك أخذه عن بشير وعبد الله ابني محمد بن محبوب وأبي قحطان خالد بن قحطان، وبشير أخذه عن عزّان بن الصّقر، ومحمد بن محبوب أخذه عن موسى بن علي وسليمان بن عثمان من أهل نزوى، وموسى بن علي أخذه عن هاشم بن غيلان ومحمد بن هشام ولده وعلي بن عزرة، و هاشم بن غيلان أخذه عن موسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر وغيرهم، وموسى بن أبي جابر أخذه عن محبوب بن الرّحيل، و محبوب بن الرّحيل أخذه عن الرّبيع بن حبيب المصري ـــ النّاقل للعلم من

(1) - هو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، من علماء عمان في القرن السادس، توفي سنة 557 هـ، من أهم تآليفه: "المصنف"، وهو عبارة عن موسوعة فقهية كبيرة، "الاهتداء"، و"التخصيص". السالمي، تحفة الأعيان: 1/ 300.

٢٣٠ / ٣٠٤