17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٨ · صفحة ٢٤٩وهذه إشارة مهمة إلى مسلك فقهاء الإباضية في استفادتهم الواسعة من معين السنة من كل مصادرها دون تمييز، وهو ذات الكلام الذي ذكره الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، الذي ألف كتابيه "جامع الشمل"، و"وفاء الضمانة" وقد ضمهما مجموعة كبيرة من الأحاديث مرتبة حسب أبواب الفقه والآداب، من خلال مجموعة كتب الحديث التي جلبها معه بعد رجوعه من رحلته إلى الحجاز، حيث كانت تلك الكتب نادرة في مكتبات ميزاب آنئذ.
هذا عن مصادر الحديث، أما ما دوّن في مباحث المصطلح وعلوم السنة عموما فهناك ثلاثة مؤلّفين اهتموا بها بتوسع وتركيز، وكل من جاء بعدهم نقل عنهم، إلا نزرا يسيرا من بعض الإضافات، وهم:
*-الأوّل: أبو عبد الله محمد بن بركة، حيث تحدث عن مفهوم السنة وبعض أنواعها في أوّل كتابه " الجامع" على طريقة الفقهاء، ولم يخرج في الغالب عن المعلومات المعروفة عند غيره، و الذين كتبوا من بعده اعتمدوا على ما وجدوه في الجامع دون زيادة.
*-الثاني: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في كتابه "العدل و الإنصاف"، حيث أضاف على ابن بركة مباحث في العلل والجرح والتّعديل؛ لأنه كان مهتمّا بهذا الجانب خاصّة، وهو الذي قام بالتٍّرجمة لرجال المسند، ولم يضف هو أيضا قواعد جديدة على الآراء الموجودة عند الجمهور في مسائل النقد والجرح والتّعديل.
*-الثالث: الشيخ امحمد بن يوسف اطفيّش، ويعتبر أكثرهم إيراداً لمباحث المصطلح، حيث أعاد تدوين مصطلح الحديث على ما وجده في بعض كتب علوم الحديث، مع بعض التّحوير في إدخال رجال المذهب ومسند الرّبيع ضمن الصّحاح، وكذا إبراز رأي الإباضية في أخبار التّواتر والآحاد، وله في ذلك كتابي "جامع الشمل" و" وفاء الضّمانة".
ثانياً: مقاييس نقد الروايات
لابد من الإشارة هنا أن النقد لا يعني ردَّ الأحاديث وعدم العمل بها فقط، بل يشمل أيضا طرق الترجيح بين الأدلة المتساوية، باعتبار المصلحة أو موافقة القياس أو نصوص القرآن، وليس عدم الأخذ بالحديث معناه ردُّه واعتباره ضعيفا في جميع الأحوال. وقد حصرت القواعد التي يعملها فقهاء الإباضية للحكم على الأحاديث أو الترجيح بينها في ثلاث ضوابط أساسية وهي:
أ) - نقد الحديث بالنظر إلى الأسانيد:
لا تحفظ مصنفات الفقه الإباضية آراء كثيرة للفقهاء فيما يتعلق بأحوال الرواة وقواعد نقد الأسانيد، ومباحث العلل، والجرح والتعديل، إلا أن ثمة إشارات عامة تختصر شرط قبول الرواية في عدالة الراوي وصدقه.
*-قال الخليلي في التّمهيد: "و لا بأس بقيود الحقّ ممّن جاء به فإنّ الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها من حيث وجدها، وبحمد الله فإنّا لا نرفع إلاّ ما نراه عدلاً، ونعرف منه قولاً فصلاً."(1)
*-وقال ابن بركة: "وليس لأحد من الأمّة أن يضع حدّاً يوجب وضعه في الشّريعة حكماً إلاّ أن يتولّى وضع ذلك الحدّ كتاب ناطق أو سنّة ينقلها صادق عن صادق".(2)
*-وقال الشيخ اطفيّش(3): "من له قوّة على الاجتهاد فلا يأخذ باجتهاد غيره، ويأخذ من كتب النّاس ما يُعتمد عليه في الاجتهاد كالحديث والآية، وهو في أخذه كواجد مسألة من كتاب".(4)
*-وقال خميس بن سعيد الشقصي(5): "وإن ورد عليه (المفتي) أمر ثبت فيه حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُفتي بغيره، وإن ورد عليه شيء قد اختلفت فيه الرّواية عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وروى ذلك الثّقات من المسلمين، فينبغي له أن يجتهد رأيه فيما روى، فينظر أشبه ذلك بالحقّ أو أحسنه، ويفتي به".(6)
*-وقال ابن بركة في معرض حديثه عن رأي أبي عبيدة في مسألة بيع الكلاب:" قال أبو عبيدة وبعض من وافقه من أصحابنا أنّ بيع الكلاب جائز واقتناؤها وأكل لحومها، والرّوايات عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - تدلّ على العدول عن قول أبي عبيدة، لِما قد ثبُت به النّقل الكثير. والخبر إذا نقله عدْل عن مثله جاز القول به، إذا لم يكن معارضاً له، ولم
(1) - الخليلي، التمهيد: 7/ 33.
(2) - ابن بركة، الجامع: 1/ 294.
(3) - هو امحمد بن يوسف اطفيش، ولد وعاش بمدينة بني يسجن بميزاب (غرداية) سنة 1238 هـ/1332 م، نشا وتلقى معظم تكوينه في مسقط رأسه، اشتهر بعصاميته الفذة، وتنوع وكثرة تآليفه، أشهر مؤلفاته: "شرح النيل وشفاء العليل" في الفقه، و"التيسير" في تفسير القرآن الكريم، توفي سنة 1332 هـ/1914 م. وقد ترجم له الدكتور مصطفى وينتن ترجمة وافية في رسالته في الماجستير عن آراء الشيخ اطفيش العقدية.
(4) - امحمد بن يوسف اطفيّش، الشّامل: 1/ 12.
(5) - هو الشيخ خميس بن سعيد بن علي الشقصي، من مدينة نزوى بعمان، عاش بين القرن العاشر والحادي عشر، لم تحدد سنة وفاته، وهي ما بين 1059، و1090 هـ، من أشهر تصانيفه: "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" في الفقه. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، رقم الترجمة: 313.
(6) - منهج الطّالبين وبلاغ الراغبين: 1/ 141.