17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٠تقم الدّلالة على فساده، والخبر قاضٍ على الآية التّي تعلّق بها أبو عبيدة في سورة الأنعام؛ لأنّ الخبر لا يخلو أن يكون ناسخاً أو مبيّناً لمعناها، لأنّه ورد بعد نزولها".(1)
*-وقد ذكر ابن بركة أقساما للخبر في أول كتابه الجامع، وتبعه على ذلك من جاء بعده من الفقهاء، قال: "فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، والخبر المعارض لغيره من الأخبار، والخبران يَرِدان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما، والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا"(2).
كما قسّم الوارجلاني الأخبار إلى صنفين، صنف مقبول، ويشمل: المتواتر، أخبار الآحاد، المراسيل، أخبار الصحيفة، الموقوف. وصنف مردود، ويشمل: الضعيف، المنقطع، الشاذ، المنكر، الموضوع.
تفيدنا هذه النصوص أن مدار قبول الراوية لدى هؤلاء الفقهاء هو عدالة الراوي وثقته، بشرط عدم وجود ما يعارضه، معارضة لا يمكن معها الترجيح أو الجمع.
والواضح من نصي ابن بركة والوارجلاني عدم إحاطتهما بمختلف أنواع الحديث، ولم يقسماها على أساس فقهي أو حديثي صرف.
ومن الإنصاف القول بأن فقهاء الإباضية لم يستفيضوا كثيرا في مباحث علوم الحديث، ولم يتحدثوا في الرجال جرحا وتعديلا بالصورة التي نجدها عند نقاد الحديث، وهذه سمة مشتركة بينهم وبين معظم الفقهاء والأصوليين من سائر المذاهب، وقد بنوا أقوالهم في القبول والرد على ما استقر عند علماء الحديث في ذلك.
قال الوارجلاني في العدل والإنصاف: "وينبغي أن يستعمل (الفقيه) الإصغاء والقبول، ولا يقابله بالرّدّ والعدول، ولا يضرب بين أقواله، ولا يناقضها بأفعاله، ولكن ليؤمن و ليصدّق، وليتوقّف حتّى يُحقّق، … ولايستقبلها بالتّكذيب إذا ظهر فيه شيء من التّشبيه، بل يطلب لها تأويلاً يحملها عليه تحميلاً، ويقول: إن صحّ الحديث".(3)
وقد سبق قول ابن بركة في المسألة، حيث جعل قبول الحديث متوقّفاً على سلامته من الضّعف وإن لم يطّلع عليه، وهو مماثل لقول الشّافعي المشهور عنه: إذا صحّ
(1) - المصدر نفسه، 1/ 331 - 332. ويشير إلى الأحاديث الكثيرة الواردة في النهي عن ثمن الكلب، منها عند البخاري من حديث أبي مسعود: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن». رقم 2237.
(2) – ابن بركة، الجامع: 1/ 16.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 13.