مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة

الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٢

الحديث فهو مذهبي.(1)

ويقول أيضاً: "وقد رُوِي أنّ معاذاً لمّا وُلّي على أهل اليمن في جباية صدقاتهم، قال لهم: هاتوا سديساً وخميساً فإنّه أخفّ عليكم وأنفع للمهاجرين، أو كلام هذا معناه، فإن سلِم هذا الخبر ممّن عارضه من متفقّهي مخالفينا قُلت به وبالله التّوفيق".(2)

وكما أنّ ابن بركة يحتجّ برواية الجمهور ممّا كان منها صحيحاً، فإنّه أيضاً لا يجعلها مقياساً في كلّ الأحوال، بل يجعل اشتهار الرواية عند الفقهاء الإباضية دليلا على صحتها أيضا، ولو ضعفها غيرهم، يقول: "إنّ الحقّ قد يكون حقّاً في نفسه، وإن جهله من جهله، وليس جهل من خالفنا بصحّة هذه الرّواية حجّة علينا ودفعاً لنا عمّا صحّ عندنا".(3) وبالمقابل يقول في بعض الأحاديث: "فإن صحّ هذا الخبر، فقد نسخ الحديث الذي اعتمد عليه أصحابنا ".(4).

ومثال تطبيقه لهذه القاعدة قوله في حديث تحريم السّؤر، حيث ذهب إليه رغم معارضته لرأي أبي عبيدة، قال: "ومنهم من قال بالخبر وصحّح الإسناد، وحرّم به الأكل والسّؤر، والنّظر يوجب صحّة الخبر، لأنّ إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين (ويقصد غير الإباضية) وقولهم به كالمشهور فيهم، وعندي أنّ لحم جميع السّباع حرام وسؤرها نجس".(5)

ومن أحسن ما قال به ابن بركة في مجال التّصحيح والتّضعيف النّسبيّة في الحكم، أي أنّ مسألة التّصحيح والتّضعيف غير مطلقة، بل ترتبط بالقرائن التّي قد تتوفّر أو تغيب عند النّاقد، حيث يصبح التّصحيح والتّضعيف ملزماً لصاحبه غير ملزم للآخرين.

يقول: "والخبر قد يُنقَل عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، ويكون صحيحاً عند بعض، وفاسداً عند آخرين، إلى أن تقوم حجّة الفاسد، والصّحيح كالشّاهد يكون عدلاً عند معدِّلٍ، ساقط الشّهادة عند معدِّلٍ آخر، والله أعلم".(6)

(1) - أنظر أيضاً نصوصاً لابن بركة في المعنى، 2/ 33 - 34 - 47.

(2) - ابن بركة، الجامع، 2/ 403.

(3) - المصدر نفسه، 2/ 544.

(4) - المصدر نفسه، 2/ 556.

(5) - المصدر السابق، 1/ 400، والحديث الذي يشير إليه هو ما رواه البخاري وغيره من حديث أبي ثعلبة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع» رقم 5530. وأما نجاسة سؤر السباع فهو مأخوذ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وقيست عليه سباع البهائم. وانظر الجامع أيضا: 2/ 89 - 142 - 148 - 211.

(6) - المصدر نفسه، 1/ 397.

٢٣٧ / ٣٠٤