17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٣و بمقابل قبول الخبر إذا صحّ، فهناك بالطّبع ردّ الخبر إذا ضعُف إسناده. يقول ابن بركة: "فإن احتجّ محتجّ لمن يُجوّز الانتفاع بجلد الميتة إذا ذُبِح بقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء»، قيل له: هذا خبر ضعيف، قد تكلّم فيه بعض حملة الأخبار".(1)
وقد أحسن الكدمي الكلام على مسألة القبول والرّدّ، إذ ظهر أكثر مرونة في المجال، من باب استثمار التّراث السّنّي، والإفادة منه قدر المستطاع، باستعمال التّأويل، لِما يظهر أنّه غير صحيح أو غير موافق للمعروف.
يقول الكدمي: "و لا يجوز ردّ الآثار، و لا شيء من الأخبار على حال، فلا يكاد يصحّ منها شيء و لا يؤخذ منها شيء إلاّ و له تأويل صحيح عند من عرف الحقّ، وليس لجهل الجاهل تأويل الحقّ ردّ الرّواية والأثر، و لا تضعيفهما، … وعليه الإمساك عن ذلك كلّه حتّى يتبيّن له الحقّ من الباطل".(2)
ويشدّد القضيّة في موضع آخر، بعدم قبول الحديث إلاّ من العدل فقط، حيث يقول: "و لا يُعتَمد قول قومنا و لا يُقبَل منه إلاّ ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يُقبَل منه إلاّ ما وافق العدل، وإيّاه نعتمد وبه نقول، وإليه نستند".(3)
وتطبيقاً لهذا النّظر، نجد الخليلي يقول في أحد الأحاديث: "وأمّا الحديث الأوّل الموسوم بكتاب الصّدقة عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في رواية سالم عن أبيه، فكلّه باعتبار موافقة الأصول صحيح ثابت مواطئ لما عند أصحابنا من روايات الأخبار وتصانيف الآثار".(4)
على أن هؤلاء الفقهاء يلتقون مع الحنفية ــــ خاصة ــــ في الاحتجاج بالحديث المرسل والبلاغات كما رأينا في طرق الرواية، والمدار هو شهرة الحديث وثقة ناقله، وعدم معارضته لما هو أقوى.
قال الوارجلاني: "إن أكثر العلماء على أن العمل بالمرسل واجب".(5)
(1) - المصدر نفسه، 1/ 377. وكلامه في تضعيف الخبر يعضده ما ذكره الترمذي في السنن عن أحمد بن الحسن قال: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم من جهينة.
(2) - الكدمي، المعتبر، 2/ 36.
(3) - المصدر نفسه، 3/ 210.
(4) - الخليلي، التمهيد، 6/ 186. وكتاب الصدقة هو الحديث المروي عن سالم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاب الصدقة … ، رواه الترمذي في السنن، رقم 621، ورجح الحفاظ الرواية المرسلة عن الزهري، أنظر: ابن حجر، التلخيص الحبير: 2/ 341.
(5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف: 2/ 196.