17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٥فيهما إلى أحكام القرآن المبين".(1)
يقول ابن بركة: "فإن كانت الأخبار، ولم يُعلم النّاسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدّم منها من المتأخّر وجب اتّفاقها، وكان الرّجوع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللّغة التي خوطبنا بها، والله أعلم".(2)
أمّا الكدمي فإنّه على الرّغم من تحفّظه في تصحيح حديث المسح على الخفّ لموافقته آيات القرآن فإنّه يردّها لمخالفتها آيات أخرى.
يقول: "وهذه الأحاديث (أي ما روي في عدم المسح) موافقة لحكم الآية، وهي موجودة في كتب من قال بالمسح من قومنا، فيصحّ أنّ الحديث في مسح الخفّ غير صحيح إذ كيف يتوعّد بالعقاب على من ترك ذلك، و تارة يعذره لغير ضرر لذلك. والرّواية إذا لم تقم الحجّة بصحّتها، و تخالفه الأمّة، فالرّجوع إلى قول الله أحزم وأولى … فما بالي أترك حكم التّنزيل المصرّح به صريحاً، وأميل إلى العمل بروايات اختلف المسلمون في صحّتها ومتنها".(3)
ومن النّماذج التّطبيقيّة لذلك الكتاب الذي ألّفه أحد علماء الإباضية (وربّما يكون بشير بن المنذر) وهو المسمّى "الحجج والبراهين" ــــ ولا يزال مخطوطا ــــ حيث بنى كلّ المسائل على نصوص القرآن الكريم أوّلاً، ويردّ كلّ حديث يجد فيه مخالفة لآيات القرآن حسب فهمه وتأويله لها.
من ذلك مثلاً قوله: "حجّة في الرّدّ على أنّ من قال: "لا إله إلاّ الله دخل الجنّة، وإن سفك الدّماء وأكل أموال النّاس ظلماً"، قوله تعالى: ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ژ [النساء:29].(4)
فهنا نجد ردّا صريحا لهذا القول المفهوم ظاهرا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة»، لمعارضته لمعنى الآية التي ذكرها.(5)
ويقول ابن بركة: "وأمّا الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمر
(1) - الخليلي، التّمهيد، 2/ 142. وهو يشير إلى حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» الوارد في بعض كتب السنة، وما يضاده في رواية الربيع: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
(2) - ابن بركة، الجامع، 1/ 337. و انظر: 2/ 310 - 340.
(3) - الكدمي، المعتبر، 2/ 67.
(4) - الححج والبراهين، ص 21 - 24 - 25.
(5) - قال الترمذي بعد روايته للحديث: وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض.