مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة

الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٦

وعبد الله بن عمر أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه»، قال: وهذا الخبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحّته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحّتها، قال تعالى: ژ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ژ [الأنعام:164]، وقال جلّ ذكره: ژ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ژ [العنكبوت:40] "(1).

ويقول الكدمي في تعليقه على حديثٍ: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النّار» لأولاد خديجة، قال: "من تعقّبه بصحّة المعنى، تدخل عليه العلّة من طريق ما ثبت عن الله تبارك وتعالى: ژ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ژ [الطور:21] ".(2)

ولم أر من هؤلاء الفقهاء المتقدمين من استدل بحديث عرض السنّة على القرآن لتأصيل هذا المسلك، أي ما جاء عنه أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني». إلا أنه ورد في مدونة أبي غانم الخراساني، ومسند الربيع بن حبيب، ولم يثبت إسناده عند غيرهما من طريق صحيح.(3)

فعرض السنة على القرآن يعني إذن اعتباره مقياسا ترد به الأحاديث المتعارضة مع نصوصه الصريحة مع عدم إمكان الجمع، أو ترجح به إحدى الروايات في الحديث على غيرها عند تعارضهما وتساويهما فيما لم يرد به نص في القرآن.

ج) - نقد السنة بالقياس والنظر العقلي:

وهذا الأساس واسع الانتشار عند فقهاء الإباضية؛ لأنّهم ـــ أصلاً ـــ ممّن يُعمِل العقل والنّظر في الشّرع عند غياب الدليل النصي الصريح خاصة، كما أنّ قلّة الرّوايات لديهم وبُعدهم عن دوائر انتشارها كالحجاز مثلاً، جعلهم يعوّضون ذلك باستشارة النّظر العقلي، أو تحكيم الحديث إليه عند غياب الإسناد، أو عدم معرفة حال الرّاوي. و نرى القضيّة واضحة في مختلف الحديث، أو ما يسمّى في الفقه بالخلافيات بين المذاهب.

قال الخليلي: "وأمّا نحن، فقد التقطنا أحاديث الأقوام، فقمنا نتكلّم على قياس ما ذكروا من ذلك من غير تجرّدٍ ولا تجربة، لكن دلّتنا شواهد العقول و صحّة النّقول

(1) - ابن بركة، الجامع، 1/ 429 - 2/ 82 - 1/ 63 - 66. وروى البخاري الحديث برواية ابن عمر وابن عباس وعائشة في الصحيح، رقم: 1286 - 1287.

(2) - الحديث عند أحمد في المسند رقم 24561.، قال: حدثنا وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة أنها ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطفال المشركين فقال إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. 6/ 208. وسنده واه لضعف يحيى بن المتوكل. الذهبي، ميزان الاعتدال: 4/ 404.

(3) - أبو غانم الخراساني، المدونة: 1/ 350، مسند الربيع بن حبيب: حديث 40.

٢٤١ / ٣٠٤