19 بوهناف وباشيخ- الزاوية وبعد القبيلة في منطقة توات
الجزء ٢٠ · صفحة ٢٨٣أي أن في انتماء الأفراد إلى زاوية ما تتشكل لهم بؤرة الالتقاء وفرصة الانتماء بذلك تنشأ عصبية الانتماء الديني لتعويض الانتماء القبلي، أي أحدهما حل عند أفول الآخر ولكن هل يمكن أن يجتمع الاثنين معا في صورة من الصور؟ كأن يكون أحدها مدعم للآخر أي أن تدعم الزاوية تواجد القبيلة وهل اجتماعهما (الانتماء القبلي، الانتماء الديني"الزاوية") سيكون فيه ضحد وصراع أم سيخلق نوع من الانسجام والوفاق؟ كلها تساؤلات تؤدي محاولة الإجابة عنها إلى وصف علاقة الزاوية بالقبيلة في منطقة توات أين تواجد الزاوية أساسا قائم لدعم تواجد القبيلة فنجد قبيلة كذا لزاوية كذا وقبيلة كذا لزاوية أخرى هي زاوية كذا فنجد مثلا الزاوية البكرية العريقة في توات إذا ما استفسرت من أحد لفت انتباهك أن لقبه هو بكراوي فإنه يرد بانتمائه القوي للزاوية وأن الزاوية لقبيلته وهذا ما تم استخلاصه من مواقف شخصية عابرة.
فالعلاقة بين الزاوية والقبيلة في توات هي علاقة حميميَّة تدعم فيها إحداهما الأخرى فتدعم القبيلة تواجد الزاوية وتدعم الزاوية تواجد القبيلة وهذا كما يقول ابن خلدون «لأن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، وذلك لكون كلّ أمرٍ تحمل عليه الكافة لا بدّ له من العصبية وفي الحديث الصحيح نجد ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى النّاس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية»(1).
فعصبية القبيلة تشكل حمى للزاوية وتشكل لها وقارا وهيبة نابعة من هيبة القبيلة ذاتها ولا ترى عصبية القبيلة (الانتماء للقبيلة) أن العصبية الدينية (الانتماء لزاوية) تحاول إزاحتها لصالح تواجدها، وذلك لكون الزاوية بحاجة إلى من يشد أزرها ولا يوجد في هذا الإطار أقوى من التماسك الناتج عن العصبية القبلية، وفي نفس الوقت القبيلة بحاجة لما يضمن استمرارها وقوة تواجدها وهذا يكون عن طرق الزاوية خاصة وأن هذه الأخيرة لها مكانة مبجلة في المنطقة أي أن القبيلة حينها ستنال قوة أكبر مستمدة من تبجيل الزاوية المرتبطة بها، لذا لم ينفك العديد من رؤساء القبائل الكبرى في منطقة توات من ترك زوايا وراءهم من شأنها تحقيق هذا المقصد المدعم لمكانة قبائلهم.
(1) -عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، دت، ص 175.