20 الشيخ عيسى- الشيخ الناصر في عليين
الجزء ٢١ · صفحة ٢٩١• ذاع للشيخ الناصر رحمه الله صيتٌ في الأنام بأنه يملك قلبا سليمًا لا يجد فيه شيئا على أحد، إذ لا يعرف تمييزا بين الإخوان، ولا تفريقا بين الأديان، ديدنه جمعُ الشمل، ودأبُه وحدة الكلمة، ومذهبه التعايشُ في وئام مهما اختلفت الأفهام، وتقلَّبت الأيام، فمصيرُ البلد واحد أن يعيش في أخوة ووئام، وهذا الذي أعلى ذكره، وأجلَّ قدره، وآضاء قبره، وأعظم أجره. مردِّدا قولة الحكيم:
إنَّا لنرجو وفاقاً غيرَ منقطع … منَّا ومنكم وهذا مُنتهى الأملِ
دعِ التحيُّزَ واصنع كلَّ صالحةٍ … تنجُ البلادُ وحاذِر سقطةَ الزللِ
• عُرف شيخنا بتواضعه الجمِّ، يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير، يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب، ولا تغريه المراتب، ولا تغرُّه الألقاب، تكفيه شهادةً شهادةُ ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامةُ العزيز الوهَّاب له يوم المعاد، عرف قدر ربِّه فعرف له قدره، تواضع لله افتقارًا، فرفع شأنه افتخارا، هيبتُه بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حبِّب إليه الحياء، و بغِّض إليه الرياء، يعدُّ المرء مخبوءًا تحت طيِّ لسانه لا تحت طيلسانه. طوَّح الشيخ مشارق الدنيا ومغاربها حكمة وعلمًا، وربط أوصال الأمة رحمة وحلما، أهَّلته إلى ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله، وخالصات مقاصده، فهو بين العلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين العامَّة عامَّة، وبين الخاصَّة خاصَّة.
أوجدهُ الله فما مثله لطالب ذاك ولا ناشد
وليس الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحد
• خلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، ومختصر تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وتفسير الجامع الصحيح في الحديث، وبحوث فقهية كثيرة، وقصائد بليغة، وخطب ومقالات منشورة في مختلف المجلات. وتراثًا مسموعا يتمثل في مئات الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب والجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار وغيرها من البلدان التي يحلُّ فيها …
فها قد اختاره ربُّ البرايا إلى جواره شهيدا، بعد أن منحه عمرا صالحا مديدًا، وجعله رجلا في زمانه فريدًا، وترك له ذكرا في الآخرين تليدًا ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)﴾. ولقد استقصيتُ مناقبه فلم أجد له عيبًا إلا أن النساء عجزن أن يلدن مثله، وتتبعتُ مآثره فلم أجد له نقصًا إلا أنَّه لم يدع أحدًا بعده أن يبلغ فضله، وإنَّ أعظم شهادة