مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

24 جهلان- وثيقة العدد- رسالة الشيخ بيوض إلى آل بريان

الجزء ٢٥ · صفحة ٣٠٨

القلوب، ووجمَتْ لها الشفاه، وتكلًّمت العيونُ بلغة الدموع، تلك اللحظة التي قطَعَتْ أُنسًا متَّصلا، وحياةً صاخبة، وردَّت الناس إلى ما يشبه الموت من همودٍ غريب ووحشةٍ رهيبة. خشعت الأصوات، وسكَنَت الحركات، وتفرَّقت الجموع التي كانت محتشدة متحمِّسة مائجة، وهدأت العواصفُ التي كانت ثائرة هائجة، وتبدَّلت الحالُ غير الحال، فما استفاق الناسُ من روعة الماضي حتَّى أدهشتهم روعة الحال، ولولا أنَّ الله يلطُف بعباده عند الشدائد، فيُنعش القلوب بالآمال ويُحيها بالرجاء لقضَوا نَحْبَهم في أمثال هذه اللحظات. ولعلَّ أعظم الناس تقديرًا لهذه الحالات، وأشدَّهم تأثُّرًا بهذه التطورات، وأرفعَهم شعورًا بأثر هذه الأفعال والانفعالات، هو الذي تُؤتى من أجله وتُقام من حوله، فلا تعجبوا إذا سمعتموني أقول «ما زلت مشدوها مسلوب الفؤاد»، فما زالت المناظر تمرُّ بين عينيَّ، والأصواتُ ترنُّ في أذنيَّ، وإني لتَعرُوني كلَّما ذكرتُها هزةٌ، كما انتفض العصفور بلله القَطْرُ. وإنِّي لتنتابُني لذكراها عواملُ مختلفة، وتغزو قلبي خوالجُ وأحاسيسُ متشعِّبة متضاربة من آلام وآمال لا أستطيع لها تقديرًا ولا تصويرًا. وإنِّي أرفع الخطط وأضع التصاميم لمشاريع تُشفي الأمَّة من آلامها، وتُنيلها المرام من آمالها، ثم أنظرُ فإذا بيَّ لا أملك من وسائل تحقيقها قليلا ولا كثيرًا، فأرتدُّ عن العمل خاسئًا حسيرًا. ثم أنشُط إليه من جديد، وأعيد النظر فيه مرَّة بعد مرَّة، فأقدِّم وأؤخِّر وأبدِّل وأغيِّر، فإذا الوسائلُ طوع يميني، بيد أنَّ الغاية لا ترضيني.

فلو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشة .... كفاني ـ ولم أطلُب ـ قليلٌ من المال

ولكنَّما أسعى لِمجدٍ مُؤثَّل .... وقد يُدركُ المجدَ المؤثَّل أمثالي(1)

رفعَتني أمَّتي مكانا عليًّا، وقلًّدتني مِنَنًا لم تقلِّدها أحدًا من قبلي، ففتحت ليَ القلوبَ والعقولَ والجيوب، وأقامت البيِّنات على شدَّة تعلُّقها بي، وعِظَم أملها فيَّ، ورضاها بمشروعي وعملي، فبأيِّ وسيلة أشكر هذه النعمة؟ وبأيِّ ثواب أكافئُ هذا الإحسان؟ إلاَّ أن أحقِّق أملها، وأصدق ظنها. وما تعلَّقت بيَّ لعرض حاضرٍ أو لغرض مادِّي، ولا أمِلَت في جرِّ مَغنم عاجلٍ أو دفع مَغنم دنيوي، وما كان الذي أرضاها عنِّي شخصي ولا نسبي ولا مالي ولا بدني، وإنما تريد مني علمًا أنشرُه، وعلَمًا أرفعُه، ومجدًا أبتنيه، وتراثا مقبورًا أستثيرُه، وحقًّا مغصوبًا أستردُّه، وحريَّة مسلوبةً أُرجعها، وشبابًا حيران استهوته الشياطينُ أُرشدُه، وقافلةً حائرة أضلَّتها البنيات أهديها السبيل. وإنَّ الذي رَضِيَتهُ مني دبيبٌ في هذا السبيل تخيَّلَته خبيبًا، وحبوًا على الرُّكب ظنَّته طيراناً بالأجنحة. هذا الذي ظنَّتهُ فرَضِيَتْه، وذاك الذي رغِبَت فيه فأرادته. ومن لي بأن أحقِّق لها الظنَّ وأبلُغ بها المراد؟ ذلك هو شكرُ نعمتها وثوابُ إحسانها، لا كلمةً يتلفَّظ بها لسانٌ، أو تخطُّها بَنان، ذلك الذي أعملُ له ولا آلو جهدا، وأسعى فيه ولا أدَّخر وُسعا. فإذا كانت الوسائل التي أملكها لا تُرضيني، فأنَّ التي أرضاها لا تواتيني، فحسبي أن أقطع لها على نفسي عهدًا لا أخيس به، وأُعطيها ميثاقًا غليظا لا أتخلَّص منه، أن أقف لها حياتي وأحبس عليها

(1) - البيتان للشاعر الجاهلي امرئ القيس، من قصيدته المشهورة التي مطلعها:

ألاَ عِمْ صَبَاحًا أيُّها الطَّلَلَ البَالِي .... وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ في العُصُرِ الخَالِي

٢٩١ / ٣٠٤