24 جهلان- وثيقة العدد- رسالة الشيخ بيوض إلى آل بريان
الجزء ٢٥ · صفحة ٣١٠وتبوَّأتم من الجنة منزلا.
إخواني الكرام؛ كنتُ بُعَيد عودتي من رحلتي أقضي ديوني في الكتابة إلى إخواني في جميع قرى الوادي أوَّلا فأولا كلَّما أيسرتُ، وما أقلَّ أيام يَسَاري، فلمَّا جاءت دولتُكم تعاظمني الدينُ واشتدَّ الإعسارُ، فكنتُ أتعلَّل برخصة الله ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وكنتُ كلما آنستُ شيئًا من يَسَار فحاولت الكتابةَ دُفعتُ عنها بدافع خفِي، ومُنعتُ عنها بمانع قوي، يتغلب على المقتضي. كيف يوفَّى الكثيرُ بهذا اليسير؟ فانتظر لعلَّ الانتظار لك خير. حتى كانت منكم تلك المأثرة الخالدة في عيد الأضحى المبارك، فعلمتُ أنِّي لن أستطيع مهما انتظرتُ وأيسرتُ أن أنتظر النسبة بين الكثير الذي يجب عليَّ واليسير الذي أقدِرُ عليه، وأيقنتُ أنَّ عبارات شكري وثنائي تتضاءَل كلَّما تعاظمتْ أعمالُكم، وتتناقصُ كلما زادت مآثركُم، فما في الانتظار إذن لي من خير، فاقبلوا مني اليسير واعفوا عن التقصير، واعذرُوني في التأخير، فليس في الإمكان أبدع مما كان.
تعشَّمتُ ـ وأنا أطوف بقُرى الوادي في رحلتي ـ أن تكون لي بريان طِيبة الحجيج، يستقرُّ بها النَّوى ويطيب المقام، وينعم في روضتها المقدسة بأحسن ما خلق الله من أفانين الجمال في الرياض، فكانت لي ـ والحمد لله ـ كذلك. ولا أقول إجلالا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحياء منه أحسن من ذلك. روعةٌ في اللقاء لم أشهد لها من قبل نظيرًا، وخطابٌ عظيم في التَّرحاب من الشيخ البكري ما سمعتُ مثله من قبلُ نظيمًا ولا نثيرًا(1)، ونظامٌ بديع لجنود الإصلاح منتظمة صفوفُهم، متناسقة حركاتُهم، يهزجون ألحانَهم، ويُرنِّمون أنغامَهم، مخترقين أعظم شوارع البلدة إلى بيت الله حيث المنزلُ الأوَّل لضيوف الله. إنِّي لجدُّ مغتبط أن لم اخلع نعليَّ على عتبة بيت أدخلُه قبل بيت الله، وأن لم استو جالسا على مقعدٍ قبل مقعد المشايخ من بيت الله، هنالك وحماة المسجد عن اليمين والشمال، وشباب الإصلاح وأبناء المدارس من حولكم كأنهم الأُسْدُ والأشبال، ورحاب المسجد وسطوحُه غاصَّةٌ بجموع المحتشدين من النساء والرجال(2)، هنالك قيل لي وما أعظم القائل وأروع المقال: إنك داعٍ إلى الله، وهذا
(1) - انظر الخطاب المؤثر الذي ألقاه البكري في الاستقبال وافتتحه بقوله:
بُشرى فقد أنجَزَ الإقبالُ ما وَعدَا .... وكوكبُ السَّعدِ في أُفقِ العُلا صَعَدَا
واختتمه بجملة أبيات يقول في مطلعها:
رَيَّانُ تختالُ إعجابًا بحاضِرِها .... على مَحاسِنِ مَاضيها وآتِيها
وكذا الخطابين الآخرين اللذين ألقاهما إبان الزيارة وعند الوداع، ضمن كتاب: «كلمات خالدة للبكري، جمهرة خطب ومحاضرات». نشر مكتبة البكري. العطف، غرداية. 2008. ص: 95، وما بعدها.
(2) -يروي الشيخ محمد علي دبوز عن الشيخ عدُّون، أنَّه «ما كان في البرنامج القعود في المسجد [في ذلك الحين]، إنَّما هو مجرَّد الدخول إلى صحنه والدعاء والخروج إلى دار نزولنا، ولكن النساء المطلاَّت من سطح المسجد غيَّرن البرنامج؛ إذ عمَدن إلى هذه الفرُش فألقينها من السطح، فلم يجد الحاضرون بُدًّا من تفريشها، فلما دخل الموكب، وجد الفُرش مفروشة أُلزموا بالقعود، فطلبوا من الشيخ كلمة … ». محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، الجزء4، ص: 183.