24 جهلان- وثيقة العدد- رسالة الشيخ بيوض إلى آل بريان
الجزء ٢٥ · صفحة ٣١١بيتُ الله مُفتَّح الأبواب، مُوطَّأ الجناب، واسع الرِّحاب، لا يُمنَع من ذكر الله فيه ولا يُسعى له في خراب، يغشاه الأحمر والأسود والحاضر والبادْ، لا يُدعى فيه إلى فساد ولا يُعمل بإلحاد، فأقم فيه كما تشاء، وادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة كيف تشاء، وامضِ قُدمًا نحو غايتك في إرشاد أمَّتك لا تخافُ دركًا ولا تخشى. فاتَّصَلَت الحفلات، وتوالت الاجتماعات، واطَّردت الدروس في رحاب المسجد الواسع، يشهدُها الغنيُّ والفقير، والشريفُ والحقير، والكبير والصغير، والمصلح والجامد، والمغتبط والحاسد .. سبعُ ليال كأنها ليالي القدر، خيرٌ من سبعة آلاف شهر، رأى الناسُ فيها الفرقانَ بين الخطأ والصواب، وسمعوا ما يكون لهم في محنتهم الخلافيَّة فصل الخطاب. مَكرُمةٌ وُفِّقتم إليها يا آل بريَّان وسَبَقتُم، ولم تزل عند جيرانكم مطمحًا بعيدا تشخَصُ الأبصار إليه، وأملاً نائيا يُسعى لتحقيقه. أخلصتُم في النية وأحسنتم في العمل وصدقتم في الجهاد فأنالكم الله فوزًا كبيرا في أمدٍ قصير. ثمَّ ابتلاكم ليعلم المجاهدين منكم والصابرين، وفتَنكم ليُمَحِّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فكانت مَزَلَّة الأقدام ومَضَلَّة الأفهام، محنةُ عيد النحر القاسية التي دقَّ فيه الاختبار، والتبس الليلُ بالنهار، لكنَّها تكشَّفت عن عنصر طيِّب ومَعدن صافٍ، وذهبٍ إبريز، أدرك فيها الحقَّ المستبصرون، فاستمسكوا به ونافحوا عنه ودعَوا إليه، وما أسرع ما ثاب إليهم المرتابون، واستجاب لدعوتهم المتردِّدُون، فتصافحت الأيدي على الحق، وتبايعت على الصدق، وتداعى الجميع إلى بيت الله لإعلاء كلمة الله. ولئن امتاز الأوَّلُون بشرف السبْق إلى الحق، فإنَّ للآخِرين فضيلةُ الرجوع إليه والإنصاف، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ولولا زَكاءُ النفوس وطيبُ القلوب، ما كان سبقٌ ولا اعترافٌ، ولا رجوعٌ ولا إنصاف.
مأثُرةٌ خالدة - وأيم الحق- حباكُم الله بها جزاءَ ما قُمتم به نحو الإصلاح من أعمال، وما أنفقتم في سبيله من أموال، وما أضطلعتُم به في تطهير بيته من درن الإلحاد من أثقال، فانعموا فيه اليوم - غير مُنغَّصين – بالسيادة والحرية والاستقلال، ولتُدَوِّ في جنباته صرخاتُ الحقِّ الهادمة للضَّلال، ولتُجلْجِلْ في أجوائه صيحاتُ الحياة المنعشة للآمال، ولتتجاوب في أفنائه ورحابه أصداءُ المتعلِّمين في الدرس والمطالعة، والبحث والمناظرة، والنقاش والجدال. كذلك كانت بيوتُ الله يوم كان يتولَّى أمرَها الأكِفَّاءُ والعلماءُ المصلحون، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
إخواني الكرام؛ ماذا عسيتُ أن أقول في وصف ما حبَوتُمُوني به من حفاوة إكرام، وما لاقيتموني به من إجلال واحترام؟ وماذا عسيتُ أن أقول في شُكركم والثناء عليكم؟! أراني - وأيم الله- عن ذلك لعاجز. لقد قضيتُ بينكم سبع ليال وسبعة أيام غُرٍّ بيضٍ سعيداتٍ زاهرات، ما رأيتُ فيها وجهًا عابسًا، ولا عينًا شازرة، ولا جبينًا مقطَّبا، ولا شفة مُمَطَّطة، وما سمعتُ كلمة جافية، وما ذقتُ فيها طعامًا فجًّا ولا شرابا رَنقًا. انتقلُ كيف أشاءُ بين رياض الجمال وأفانين الزينة وأنواع الطيِّبات. لو ضُمن لها الخلود والبقاء،