24 جهلان- وثيقة العدد- رسالة الشيخ بيوض إلى آل بريان
الجزء ٢٥ · صفحة ٣١٢وضُمِّنت مقصورَتَها البديعة حوراء، لقال الصالحون المتقون حسبُنا جنةً ونعيما. فماذا أصف؟ أأصف الدار وأناقتها وزخرفها وزينتها؟(1) أم الموائدَ الفاخرة وما حَوَته من ألوان؟ أم الحفلات البهيجة وما نثر فيها من زهور البيان، وما سمُع من شجي الألحان(2)؟ أم ذلك اللؤلؤ المنثور من ولدان جنَّات المدارس الذين هم زينة الحفلات وجمال المجالس؟ أم تلك الكتيبةُ الخضراء من أبطال الشباب المتحمِّس الوثَّاب، ذوي السواعد المجدُولة، والسِّبَال المفتولة، التي اضطلعت بأعباء الأعمال في مختلف الجهات، وفي جميع الحفلات، من نضِّ الكؤوس إلى الوقوف للحراسة على الرؤوس، حتى كان ذلك الانسجامُ البديع بين مختلف الحركات، وساد النظام الرائع كلَّ محفل على اختلاف العناصر والهيئات، الأمرَ الذي دلَّ على سلامة ذوق، وصفاء فطرة، ودقَّة ملاحظة، وإخلاصٍ نادر المثال؟ أم أولئك الشيوخ الموقَّرين آباء هذه الحركات، والمدبِّرين لهذه الأعمال والمشرفين عليها، الذين إلى رجاحة عقولهم وطيب سرائرهم وإخلاص قلوبهم وأناتهم وغيرتهم على أمَّتهم وصبرهم الجميل في الأيام العصيبة، وتحمُّلهم للبلايا، وتقديمهم للضحايا، يرجعُ كلُّ الفضل فيما وصلت إليه نهضةُ بريَّان اليوم؟
أم أُعدِّي عن كل ذلك وأكتفي بوصف آخر ساعة لي في بريَّان؟ وإنَّها لساعةٌ رهيبة، وعت جميع معاني سوابقها، افتتحتُها بخاتمة دروسي بدار الكريم السيد خالد بن سليمان، وجناب القائد المحترم عن يميني وسراة الأمَّة بين يَديَّ، وكان الموضوع تفسير سورة «العصر». وقد غشي المجلسَ جلالُ كلام الله، وروعةُ الشعور بدنُوِّ الفراق، وكنتُ أتحسَّس الألطاف الإلهية تَحُفُّ بي، ويدُ العناية تمسح على قلبي، فوُفِّقتُ - والحمد لله- إلى ما أحبُّ وما يُحبُّ أن يكون عليه درسُ الوداع. ثم كانت وقفةُ المسجد للدعاء، والرحابُ غاصَّة مكتضَّة بالمودعين المؤَمِّنين، وما أروع أن يكون آخر بيت أنعلُ قدمي على عتبته هو بيت الله، كما كان أوَّل بيت خلعتُ نعليَّ على عتبته هو بيت الله! وهل اتَّفق لي ذلك في غير بريَّان؟ فما أجمل ذكريات بريَّان!
ثمَّ كان موكبُ الوداع من المسجد إلى قبَّة «السهلة» البيضاء، يتألف من
(1) -هي دار الأخوين المصلحين إبراهيم ومحمد ابنا سليمان قلّو. رسم لنا الشيخ عدُّون ( T) صورة عن هذه الإقامة الطيبة المخصصة للشيخ والوفد المرافق له، بقوله: «دخلنا دار نزولنا ( … ) فإذا هي مزخرفةٌ بيد فنان أبدع في تنسيقها وتزيينها، فُرشت أرضُها بالفُرش الوثيرة المزركشة الجميلة، وكُسيَت حيطانُها وسقُفُها بالزرابي الرائعة والسجَّاد البديع، وعُلق عليها أنواعُ الزينة، ونُصبت على الجدران كثيرٌ من صور عظماء الجزائر والعالم الإسلامي، فلم تبق بقعةٌ في الدار لم تشملها الزينة ولم تُكسَ بالكساء الجميل، سواء في ذلك الطابق السفلي أو العلوي … ». المرجع نفسه، ص: 185.
(2) -ألَّف الشعراء في هذه الزيارة قصائد خاصة بالمناسبة، ولُحنت الأناشيدُ التي شنَّف بها التلاميذ أسماع الضيوف، ومن بينها أناشيد لشاعر بريان الأديب يوسف بن صالح تربح، وكذا الأستاذ إبراهيم بن علي العساكر، وغيرهما.