03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم
الجزء ٤ · صفحة ٣٩فعلى العالِم المسلم، المستنير بالوحي وبالسراج النبوي، أن يحمل على عاتقه مهمَّة تصحيح "الرؤية الكونية"، فمن واجبه إحلال "الرؤية الكونية التوحيدية" بديلا عن "الرؤية الكونية المادية الإلحادية" في الدوائر العلمية المختلفة؛ أي من واجبه إعادة العلاقة بين "الله، والإنسان، والكون" إلى نصابها؛ وذلك "بإعادة التأسيس للنظرة الكوزمولوجية ( Cosmologist)، ( علم الكونيات) التي تقول بأنَّ الحبَّ هو علَّة خلق الكون" عوضا عن النظرة "الواحدية" التي "أغرقت العلومَ في خضمِّ المادة، وأصبحت صمَّاء عمياء تجاه جميع العلاقات الدينية والخلقية والميتافيزيقية، وانقلبت إلى حالة ذات بعد أحادي"(1).
وعلمٌ نافع للخلق:
كان نبينا الأواه - صلى الله عليه وسلم - «إذا أصبح قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً»(2).
على ضوء هذا السراج النبوي الوهَّاج، يكون الهدف من العلم هو "النافعية" لا "النفعية"، ونعني بالنافعية الأثرَ الماديَّ والمعنويَّ، الدنويَّ والأخرويَّ معًا؛ فكلُّ علم لا يتحوَّل إلى فعل وحركية، ولا يسهم في إسعاد البشرية دنيًا وآخرةَ، ولا ينفع خلقَ الله، هو لغو وعبث وردٌّ.
أمَّا "النفعية"، التي تعني المصلحةَ، والأثر الآني، والمقابل المحسوبَ المباشر، فليست مطلوبةً ولا هي مستساغةٌ. بل هي محرَّمة شرعا، مرفوضة عقلا.
لبديع الزمان أبي العزِّ إسماعيل بين الرزاز الجزري كتابٌ بعنوان "الجامع بين العلم والعمل النافع، في صناعة الحيل"؛ هو موسوعة علمية، وخزانة للاختراعات والاكتشافات البديعة، حوت ما يزيد على خمسين اختراعا في شتى المجالات، بالتحليل وبالصور الهندسية؛ وهو مع ذلك يفتتح مشروعه الذي لا نجد له مثيلا لدى علماء العالم الإسلامي اليومَ، بقوله: "الحمد لله المبدِع صنعه في السمائيات، المودع أسرار حِكمه في الأرضيات، فهي نسخة من عالم ملكوته، ودليل قاطع على جبروته، أحمده على ما علَّم، وأستزيده من فواضل النعم، وهي