03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم
الجزء ٤ · صفحة ٤٠مطلوبات الحكم، حمدا يماثل بعض إحسانه، وجزيل امتنانه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أشرف نوع الإنسان، وعلى آله والتابعين له بإحسان"(1).
وما محنة هذا العصر إلاَّ لكون من يكتشف ويخترع، وينفع العباد – آنيا على الأقلِّ – بالأدوية، والآلات، والوسائل، والتقنيات، والأطعمة، والأشربة، ووسائل الاتصال والتواصل … وغيرها. هو في الغالب ممن يتنكَّر للخالق، ويلحد بالله؛ أمَّا من يدعو الناس إلى الصلة بالله، وينادي البشرية إلى الخير، فهو لا يزال – واحسرتاه – بعيدا عن التأثير المباشر، من إعمار الكون، والنفاذ إلى أقطار السماوات والأرض.
ولن تعرف البشرية فجرها الجديد، إلاَّ على يد علماء ربانيين، يصدق فيهم حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «الخلق عيال الله، أحبُّكم إلى الله أنفعكم لعياله»(2). فالعالم الذي لا ينفع خلق الله إذن، بجميع أنواع النفع … العالِم الذي يعزل نفسه بين أفكاره، ويحيا مثل الأرضة على صفحات أوراقه؛ ويخاطب الناس بما لا يفهمون، هو أبعد ما يكون عن السراج النبويِّ، وهو ليس مؤهَّلا ولا أهلا لينال حبَّ الله ورعايته وعنايته.
وصدق مالك بن نبي في قوله: "إنَّ الماء لا يسقي الأرض التي تعلوه". فإن أردنا أن نهدي البشرية الحائرة، على ضوء السراج النبويِّ، علينا أن نكون أرفع منها مستوًى، وأعلى منها قدرًا، وأكثر منها نفعًا، وأزكى منها صدقًا؛ وإلاَّ اعتَبرَت خطابنا مجرَّد "ادعاء فارغ"، و"كلام لا يصدِّقه العمل".
التبليغ، غاية الغايات:
في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ العلماء ورثة الأنبياء. وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر»(3)؛ فالحديث لا يعني أنَّ العلماء يرثون المعلومات والمعرفةَ فقط، ولكنَّهم يرثون كذلك غايةَ وجودهم، وحقيقة مسمَّاهم، وتبعات رسالتهم؛ يرثون مهمَّة "التبليغ والهداية"، و"الإرشاد والدعوة"، و"الإنذار والتبشير".
(1) - منشورات "معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية"، سلسلة ج. الرقم 69. نشر فؤاد سوزكين، إكهارد نويبار، مازن عماري. 2002.
(2) - رواه البخاري.
(3) - رواه أبو داوود والترمذي.