مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم

الجزء ٤ · صفحة ٤١

فالعالِم اليومَ، ينبغي، مهما كان تخصُّصه، أن لا يقتصر على غايات دنيَّة، مثل الشهرة، والحظوة، والذكر، والمال، والمنصب؛ وإنما واجبه، اهتداءً بالسراج النبوي، أن يجعل غايته القصوى إرشاد الناس إلى الحقِّ، ووزعَهم عن الباطل …

فالتبليغ الذي يعني "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، يجب أن يتخذه العالم، من منطلق عمله، مهمَّةً لا وظيفةً، رسالةً وأجرا لا منصبا وأجرة.

لكن، ينبغي كذلك، في عصرنا هذا، أن لا نقصر هذه المهمَّة في الصور المعتادة للتبليغ والدعوة، مثل الخطابة، والكتابة، والوعظ، والتدريس؛ مع أهميتها؛ وإنما الواجب يقضي ـــ إضافةً إلى ذلك ـــ أن ينبري العالِم لمعالجة "الرؤى الكونية"، و"تصحيح المفاهيم"، وخوض غمار حرب "مراكز التفكير"، و"اكتشاف أبعاد "التخطيط والتخطيط الاستراتيجي العميق"، ومعالجة "ما ينتج المعادي للإسلام وللبشرية من فلسفات، ومغالطات، ونظريات" من مثل نظريات "التطور"، و"صدام الحضارات"، و"موت المؤلف"، و"البنوية"، و"الفوضى"، و"الحروب الناعمة" … الخ.

فإن لم يكن العالم اليومَ دليلا رائدا لا يكذب أهله، لمثل هذه المخطَّطات التي تعدُّ بعناية فائقة، فمن ذا الذي يتكفَّل بهذا الثغر الخطير؟!

الهمُّ والاحتراق والشفقة:

"عندما لايحترق القلب شوقاً، والروحُ عذاباً، والذهنُ هماً، فلا تتكلم! … وإلاَّ فلن تجد أحداً يصغي إليك. عندما لا يملأُك الشعور بأنّ دعوتك هي قلبُ الكون، وروحُ الوجود، وأنها ميزانُ العالم، وصمَّام أمنٍ وأمانٍ له، فكيف تواتيك الشجاعة لمواجهة العالم كلِّه؟! "(1).

نقرأ معاني هذا الاحتراق، في العديد من الآيات القرآنية التي تعرض حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه، وهو يعلِّمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، ويرشدهم؛ وذلك بعد أن تلقَّى الأمرَ من السماء، فأخذه على محمل الإيمان، وأخلص له، وفي سبيله ارتعد وارتعش، ثم تدثَّر وتزمَّل؛ حتى نزل عليه وحيا من العليم الحكيم: "يا أيها المدثر"، و"يا أيها المزمل".

ولم تخبُ جذوة الحسرة والهمِّ عند الرسول عليه السلام طرفةَ عين، حتى كان ربُّه الرحيم يواسيه، ويهدِّئ من روعه، ومِن ذلك قوله تعالى: ژ ں ں ? ?

(1) -محمد فتح الله كولن: طرق الإرشاد في الفكر والحياة؛ 5.

٣٨ / ٣٠٤