04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٤٨قَالَ الشيخ بمناسبة تفسير قوله تعالى: ژ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ژ (الفرقان: 52) «فلا تَفاوضَ أو مهاودةَ أو تنازلَ فِي أصول الدين الثابتة ولا تقبل فيها أنصاف الحلول، فليس الدين مالاً أو تجارةً أو مخاصمة دنيويةً حتّى يقع فيها مفاوضة ومصالحة بين طرفين»(1).
يبرز من هذه الفقرة البعد العقديّ للمناظرة فِي الإسلام، فدخول المؤمن المناظرة ودفاعه عن موقفه يجب أن لا يكون انتصارًا لنفسٍ أو مذهبٍ، إنما يكون انتصارًا للحقّ الذي أمر الله بالتمسك به والدعوة إليه، فالدين استسلام لأمر الله فِي كلّياته وجزئياته في جميع الأوقات والأحوال، وهو الصبغة العامّة لكل جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية …
3 - المجتمع المسجديّ والعمل للدارين
لا يعني المجتمع المسجديّ حياةَ الرهبنة والإعراض عن العمل، إذ أنه «لا رهبانيّة في الإسلام» بل المسلم يقتضي منه إيمانه أن يكون قويًّا فِي الجانب الروحيّ والماديّ معًا، مجتهدًا في عمارة المسجد وفي عمارة الأرض، «لكلّ نشاط وقته، فعلى المسلم أن ينظم أوقاته ولا يضيّع هَذَا ولا ذاك … فعمل الدنيا والآخرة لا يتعارضان إِلاَّ عند البلداء السخفاء»(2) فالله سبحانه وتعالى قال: ژ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ژ (النور: 36 - 37) ولم يقل: "لا يتاجرون" لأن الله أمر بعمارة المسجد وعمارة الأرض، فالانتقال من التجارة إِلَى الصلاة انتقالٌ من عبادة إِلَى عبادة.
تقتضي الشموية اجتهاد المؤمن لإقامة الدين وعمارة الدنيا، فمن غلّب جانبًا عَلَى حساب الجانب الآخر فقَدَ توازنَه وكان عَلَى خطر عظيم فِي أمر دينه ودنياه، فمن أهمِّ أسباب تداعي الأمم عَلَى المسلمين سوء فهمهم للدين وغفلتهم عن شموليته لكل الميادين، فعمارة الأرض ليس ترفًا حضاريًّا بل هو من مقتضيات "لا إله إِلاَّ الله".
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 7/ 96.
(2) إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجديّ: درس ألقي بمسجد القرارة يوم: 18/ 5/1973، قرص مدمج، تسجيلات الحياة- القرارة.