04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٤٩ثانيًا: الواقعيّة
كان الشيخ بيّوض يهدف من دروسه تغييرَ واقعه والنهوض بأمّته، فتميّزت دروسه بـ"الواقعية"، وظّفها لإيصال أفكاره الإصلاحيّة وتحقيق التغيير المنشود، ذَلكَ لأَنَّ فقه الواقع له دورٌ أساسيّ فِي التغيير، فكان الشيخ خبيرًا بواقعه الذي هو ميدان إصلاحه، وكان يرشد طلبتَه إِلَى ضرورة فهم هَذَا الواقع، وقد أغلظ عَلَى أحدهم القول عندما آثر الاشتغال بدروسه عَلَى حضور واقعةٍ تاريخية فِي سوق البلدة، فهدف الشيخ من دروس التفسير وغيرها إصلاح أوضاع الأمّة وتغيير طباع أفرادها، سالكًا لتحقيق ذَلكَ طريق الإقناع وتقريب المفاهيم من أذهان المخاطبين عَلَى اختلاف مستوياتهم ومداركهم، إسقاطًا للنصوص الشرعية عَلَى الواقع المعيش، وسعيًا لإيجاد الحلول للقضايا الراهنة بإرجاعها إِلَى أصولها الإيمانية، واتّسم خطاب الشيخ بيّوض بالواقعية من جهتين:
1 - واقعية الموضوع
فكان يركز الكلام عَلَى قضايا العقيدة التي ترتبط بها آثار عملية -متعلّقة بالجانب التعبدي أو الحياتيّ - ويعالج من خلالها صور الفساد التي طالت مجتمعَه الذي خبره، مستثمرًا أحداث العالم وأخباره التي يسايرها وكانت لها حضور وتأثير فِي دروسه، قال الشيخ عن نفسه بمناسبة تطرّقه إِلَى علاج إحدى القضايا الاجتماعية: «خذوا هَذِهِ الحكمةَ ممّن قضى نصف قرنٍ فِي حلِّ المشاكل … »(1)
وذكر الشيخ بيّوض أنّه عايَن طقوس القبوريّين، حيث زار زاوية سيدي خالد ليلة 27 رمضان، ورأى فيها ما رأى من المنكرات والضلالات(2)، وهذه الزيارة الميدانية تقوّي فِي الشيخ عنصر الواقعية، التي تعينه على حلِّ مشكلات الحياة اليوميّة، فبقدر ما يتمكّن الطبيب من تشخيص المرض ومعاينته بقدر ما يهتدي إِلَى وصف الدواء المناسب، و"الحكمُ عَلَى الشيء فرعٌ عن تصوّره"، وكثيرًا ما كان يقرّر عنوان الدرس بناءً على حادثةٍ في شؤون الشريعة أو الحياة وقعت هنا أو هنالك، فكان يستوحي درسَه من الواقع قصد إصلاحه، ومن ذلك قوله عندما بلغه نبأ إحدى المشكلات: «سأتحقق من القضية وأقرّر فيها درسًا إن شاء الله»(3).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 686.
(2) م. ن، سورة سبأ: 13/ 125.
(3) م. ن، سورة الزخرف: 17/ 492.