مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض

الجزء ٥ · صفحة ٥٢

يضع الشيخ بيّوض مقصد "الوحدة الإسلامية" نصب عينيه وهو يدرسُ قضايا العقيدة، مؤمنًا بكون الوحدة الصادقة من ثمرات التوحيد الخالص، ويتّضح ذلك من خلال الآتي:

أ- الكفّ عن القول بغير علم

توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض فِي تفاصيل المسائل وجزئياتها التي لم يرد فيها دليل قطعيّ، معتقدًا أنَّ البحث فيها لا يخرج بنتيجة يقينية تطمئنُّ إليها النفس، بل يفتح الباب واسعًا للقول بالرأي فِي القضايا التي لا تدرَك إلاَّ بالوحي، فينتج البحث عن اختلافٍ فِي الرؤى، ينتهي إلى التنازع والخلاف اعتبارًا لكون موضوع الجدال مسألةَ اعتقاد، ومن المسائل التي توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض فيها معرفة حقيقة كلام الله، حيث فوّض فيه الأمر إلى الله تعالى، وانتقد الخائضين فيه بقوله: «فأنتم الذين خضتم فِي الكلام وتنازعتم فيه، وكفّر بعضُكم بعضًا(1) وقتل بعضُكم بعضًا من أجله .. »(2).

ومن تفريعات هذه القضية التي توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض في تفاصيلها مسألة تكليم الله عزّ وجَلَّ موسى عليه السلام، حيث رفض البحث عن كيفية سماعه ولغته وجهته … معلّلاً أنّ البحث فِي مثل هذه القضايا اتباعٌ للظنّ، وسببٌ لتشتيت وحدة المسلمين، معتبرًا بمحنة الإمام أحمد، يقول الشيخ بيّوض: «وكلّ هَذَا دخولٌ فيما لا يعني، بل لا نحترس أن نقول: إنه دخولٌ فيما لا يجوز، فمن أين أن نعرف؟ "فالعجز عن إدراكه إدراك والخوض فِي إدراكه إشراك"، وخاصة فِي مسألة الكلام التي طال فيها الجدال عَلَى أيدي أناسٍ دخلوا الإسلام لإفساد الإسلام، وخلقوا الفتنة التي ابتلي بها كثيرٌ من الناس فِي زمان مضى، كما ابتليَ البلاءَ الكبير التقيّ الورعُ المتمسّك بالسنّة الإمام أحمد بن حنبل»(3)؛ فموقف الشيخ بيّوض هو النهي عن الخوض فِي كلام الله، والاكتفاء بالتصديق والتسليم، لأن الخوض فِي مثل هَذَا مما هو خارجٌ عن نطاق العقل البشريّ لا يورث إِلاَّ الحيرة والفرقَة(4)، ومن ذلك قوله: «والله ما كان ينبغي ذلك الجدل، ويجب أن يُطوى ولا يُذكر، لأنه ما شتّت المسلمين إِلاَّ هو»(5).

(1) القاضي عبد الجبار: المجموع فِي المحيط بالتكليف، المطبعة الكاثوليكية، بيروت. لبنان. د. ت. ن: 1/ 345.

(2) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 360، ولأبي الحسن الأشعريّ ردّ جميل على الذين يدينون بتكفير المخالف فِي هذه المسألة. (أبو الحسن الأشعري: رسالة فِي استحسان الخوض فِي علم الكلام، مطبوعة ملحَقة بكتابه " اللمع": 95 - 97).

(3) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 359.

(4) م. ن: سورة مريم: 3/ 240؛ طه: 4/ 240؛ القصص: 8/ 359.

(5) م. ن: سورة القصص: 8/ 360.

٤٩ / ٣٠٤