04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٥٥الاعتقاد ما ليس منها، ممّا حفلت به كتب العقائد، فسعى إِلَى حصر هذه المسائل فِي القضايا الإيمانية التي تسند إِلَى أدلّة قطعيّة الدلالة والثبوت من الكتاب والسنة، فبمناسبة حديثه عن قضية المفاضلة بين الملائكة وبني آدم –مثلاً- قال: «ولا يمكن أن يعتقد فِي شيء من هَذَا إِلاَّ إذا كان هنالك دليل عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أو عن الله تعالى فِي كتاب، ولا دليل قاطع»(1)؛ ونقيس على ذلك جميع الآثار والروايات مهما اشتهرت، مالم تبلغ درجة القطع من حيث الثبوت والدلالة، فهي لا تردّ من أجل انعدام هذا الشرط، ولكن لا ترقى إلى درجة الاعتقاد، «وقد اشتهرت هذه الروايات، ولا يضيرنا نحن أن تكون أو لا تكون؛ لأَنَّها ليست مسألة عقديَّة»(2).
لا يُلزم المؤمن باعتقادِ رأيٍ معيَّن فِي مسألة- تعدم الدليل القاطع - وتخطئةِ من اعتقد فيها رأيًا سواه، لأنَّ الأدلّة التي لم تبلغ درجة القطع قابلة للنقد والردّ، فيقرّر الشيخ أنّ «المسألة ليست مسألة اعتقاد»(3)، ومن ذلك قوله فِي ما روي عن مقدار عذاب أبي طالب فِي النار، فبعد أن ذكر جهود أبي طالب في الدفاع عن الدعوة الإسلامية فِي مهدها، وذكر الرواية التي تنصّ على أنه أقلّ أهل النار عذابًا، وهو أنه «يقف في ضحضاح من النار يغلي بها دماغه أبد الآبدين»(4)، قال: «هذا ما ورد، والعلم عند الله، وليس هذا بالعقيدة التي يجب أن نعتقدها، وَإِنَّمَا الذي نعتقده أَنَّ أصحاب النار هم دركات وعذابهم متفاوت، كما أَنَّ أصحاب الْجَنَّة درجات ونعيمهم متفاوت»(5).
ولهذا المنهج أبعاد منها:
1 - بناء الاعتقاد عَلَى أصلٍ يقينيٍّ حذر أن يعتقَد فِي شيء أنه مراد الله وَهُوَ فِي الحقيقة غير ذَلِكَ.
2 - المحافظة عَلَى الوحدة الإسلامية، وذلك بتضييق مجال الاختلاف وسدّ أبواب الخلاف، ذَلكَ أَنَّ إدراج قولٍ ضمن "مسائل الاعتقاد" يقتضي إخراج المخالف فيها من الدين،
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 48 - 49.
(2) م. ن: سورة الدخان: 18/ 12.
(3) م. ن: سورة الإسراء: 1/ 49.
(4) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ - صلى الله عليه وسلم - وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ».البخاري: الصحيح، كتاب المناقب، باب قِصَّة أبي طالب، حديث رقم 3672، 3/ 1409.
(5) في رحاب القرآن، سورة الأحقاف، 18/ 326 - 327.