مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

06 شتوان - الفتوى بين التشدد والتيسير والاعتدال

الجزء ٧ · صفحة ٨١

النصوص يحصل بالتمسك بظواهرها دون فقهها ومعرفة المقصد الشرعي منها.

وقد ظهر هذا الاتجاه في الفتوى في عصرنا يمثله فقها متطفلون علموا من الفقه قشوره لا لبه وقد سماهم أستاذنا الشيخ محمد الغزالي ب "أنصاف العلماء "في كثير من المناسبات. وسماهم الشيخ القرضاوي ب "الظاهرية الجدد" مع الفارق في التشبيه وقال فيهم: " المدرسة النصية الحرفية وهم الذين أسميتهم ب " الظاهرية الجدد " وجلّهم ممن اشتغلوا بالحديث ولم يتمرسوا الفقه وأصوله ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ويكادون لا يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال"(1) وأقرب شيء إلى ألسنة وأقلام هؤلاء "أنصاف العلماء "كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندا للتحريم وحملا للناس على أشد مجاري التكليف دون خوف من تحذير الله سبحانه وتعالى من ذلك: ژ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ژ(2) فالظاهرية الجدد كما سماهم شيخنا العلامة القرضاوي حرّموا كثيرا من المعاملات، وأوصدوا كثيرا من أبواب العلم والمعرفة، وكم من أقوام أخرجوهم من الملة زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة. والأمر ليس كذلك من العلماء الراسخين(3).

إن ما وقع في زماننا من تصرف هؤلاء المفتين من تكفير للمجتمعات والحكومات واعتزال جماعة المسلمين ونصب العداء لمن خالفهم بناء على فهم أعوج للنصوص وقلة فهم لدلالات المعاني وأوجه الاستنباط.

ومن عجب فقههم أن جعلوا من فعل المعاصي سببا للخروج عن الإسلام. وفي هذا يقول أحد أعضاء التكفير والهجرة: "إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكافر وتساوي كلمة كافر تماما، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آن واحد مسلما وكافرا"(4).

والملفت للانتباه في هذه المسالة مراجعة مقولة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول: " لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهيته " وقال غير واحد من السلف:" ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا، فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه"(5) وعليه فإن هذا المنهج القائم على النظر الظاهر للنصوص دون معرفة دلالاتها فيه عنت وشدة وغلو على واقع المسلمين وتضييق عليهم وتنفير لهم، وفيه كذلك شذوذ عجيب نحو بعض الأفهام الغريبة عن واقع والمسلمين وما ورثوه من علمائهم من عهده صلى الله عليه وسلم إلى اليوم.

ج ـ الغلو في سد الذرائع:

"إن الإشكالية في اعتبار قاعدة سد الذرائع ما قد تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة فاسدة متوهمة يظنها الفقيه، فيغلق الباب إساءة للشرع من حيث لا يشعر كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمرا. والمجاورة في البيوت خشية الزنا، فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم سده. لأن المصلحة فيها راجحة فلا تترك لمفسدة مرجوحة متوهمة "(6).

وبناء على المثال الذي أثبتناه يقول الشيخ القرضاوي: "دأب أنصاف المتفقهين المعاصرين المبالغة في رفض الاقتباس من الأمم غير الإسلامية في ما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات معتبرين ذلك من الإحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم"(7) والناظر اليوم في كثير من النوازل المعاصرة في مجالات عدة كالاقتصاد والطب والأدوية واللحوم المستوردة والأطعمة الطازجة والأشربة الجاهزة وغيرها والتي في أغلبها قادمة من الدول غير المسلمة، وأن

(1) - الشيخ القرضاوي، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 88

(2) - سورة النحل آية 116

(3) -د/ مسفر بن علي القحطاني، الوعي المقاصدي، قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص57

(4) -عبد الرحمن اللويحق، الغلوفي الدين في حياة المسلمين المعاصرة: دراسة عملية حول ظاهرة الغلو ومفاهيم التطرف والأصولية، مؤسسة الرسالة ص 273

(5) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج 3، ص 134

(6) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج 3، ص 109

(7) -الشيخ يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، مكتبة وهبة، ص 231

٧٦ / ٣٠٤