06 شتوان - الفتوى بين التشدد والتيسير والاعتدال
الجزء ٧ · صفحة ٨٧من ملامح مدرسة التساهل في التيسير، وقد جاء النهي في السنة على هذا الفعل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»(1). وقد فصّل ابن القيم في الحيل الآتي:
أ ـ حيل مشروعة: وهي " التي يكون فيها حسن القصد في حلية جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به زوجته ضربة واحدة. وأرشد بلالا رضي الله عنه إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرا آخر ليخلص من الربا. ويقول: رحمه الله تعالى: فأحسن المخارج ما خلص من المآثم. وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب "(2).
ب ـ حيل غير مشروعة: وهي " التي لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسّق وحرم استفتاؤه".
رابعا ـ ضوابط الفتوى بالتيسير (والاعتدال فيها):
فمن خلال ما قدمناه من تميز منهج المدرستين المتشددة والمتساهلة في الفتوى يتبين لنا بوضوح منهج المدرسة المعتدلة وضوابطها في الفتوى بالتيسير من غير إفراط أو تفريط وذلك كما يقال: إن الشيء يعرف بضده ويتميز بنقيضه، ولاشك أن هذا المنهج الذي حرص عليه أهل العلم والورع والاعتدال يعتبر من الصفات اللازمة لمن يجلس للفتوى ويتحدث باسم الشرع وخاصة في عصرنا هذا لأن العلم هو العاصم من الجهل، والورع هو العاصم من الهوى، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتشدد والإفراط والتفريط.
فهذا المنهج يجب أن يسود لأنه هو الاجتهاد الشرعي الصحيح الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون"(3) وعليه فإن الحاجة ماسة لضبط الفتاوى عند العمل بالتيسير تحقيقا لمقصد الشارع من تكليف العباد بالأصلح لهم في الدنيا والآخرة. ولا بأس أن نذكر الضوابط التي قررها العلماء أصحاب هذا المنهج عند الإفتاء في المسائل المعاصرة تحقيقا لمقصد الشارع من التيسير كالآتي:
(1) -أبوداود، عون المعبود: شرح سنن أبي داود، مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، ج9 ص 244
(2) -ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج4 ص170 ـ 171
(3) -القاسمي، الفتوى في الإسلام ص 95 ـ د / الشيخ القرضاوي، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 91 ـ الفتوى بين الانضباط والتسيب، ص 111