العدد 48 عمان في الشعر الإنجليزي مايك هايويل ديفيز وجماليات المكان لهلال الحجري
الجزء ١٨ · صفحة ٢تُنازعُهم عليها النوارس والخطاطيف.
وفي وادٍ خصيبٍ من أوديةِ عمان، يحتفي هايويل-ديفيز كثيرا بالصمتِ الذي يُطْبقُ على الأوديةِ بُعَيْدَ سقوطِ المطر وهدوءِ العاصفة. صمتٌ يصفُه بأنه جافٌّ «جفافَ عظمِ عِجْلٍ حتى البيَاض». صَمْتٌ لا يَحْتفِرُه إلا سَيْلٌ عَرَمْرَمٌ ينزلقُ فجأةً من أعالي الجبال، ليجرفَ كلَّ شيء وينتهي إلى أسماكٍ لاهثة وطحالبَ لَزِجة.
ويلفتُ نظرَ هايويل-ديفيز في عمان طريقةُ التحيّةِ الشائعةِ بين البدويّات، وهي رَفعُ البُرْقُع والتصافحِ بأرْنَبةِ الأنف. طريقةٌ يرى فيها من الألفة والحميميّةِ ما يشدُّ من روابطِ الصلة و «أختيّةِ الإنسانِ الكامنة» بين النساء. وهايويل-ديفيز الذي جاء من مجتمعٍ قد تحررت فيه المرأةُ من التقاليدِ القديمة، لا يرى غضاضةً في البراقع ولا ينظرُ إليها بسخريةِ الخِطابِ الغربي من الحجاب؛ بل يُعظَّمُ الجَمالَ في العيون المكحولةِ لظِباءِ الفلاة. ويرى في العينينِ المُدّخَرتيْنِ وراء البُرقعِ حُريّةً كاملةً تمنح الأنثى أن ترى ما تُريد!
وفي قصيدتي «الدخان» و «دائرة الزمن»، لعلهما من أروعِ ما في هذه المجموعة، مشاهدُ لا أعتقد أنّ أحدا قد التفتَ إليها شِعريًّا. في الأولى يصفُ دُخانًا يَصّاعدُ بين سَعَفِ النخيل، حيث المشهدُ يمتزج مع صورةِ يومٍ من أيامِ العيد في عُمان. هتافاتُ الأطفال وهم يمرحون بين النُّخيلاتِ تُزنِّرُ مشهدَ أشرطةٍ من دُخانِ الخُوص والكَرَب وهي ترفرفُ من سَعْفةٍ إلى سعفة، حاملةً معها آمالَ الصغار والكبارِ إلى أفقٍ مجهول، مُخلِّفةً وراءَها شَذىً من عَبَقِ الطبيعةِ الأولى. وفي القصيدةِ الثانية يلتقط هايويل-ديفيز بعينٍ شِعريةٍ ثاقبة مَشهدًا من مشاهدِ الصِّبا التي مَرّ بها كثيرٌ من العمانيين في طفولتِهم القُرويّة. مشهدٌ يرصدُ فتىً مُطرِقَ الرأس، عن تأمُّلٍ لا عن خنوع، يجتازُ سِكّةً غبراءَ من الطين وبقايا الخوص، يحثُّ الخُطى إلى الكُتّابِ أو المسجد، مُكْتهِلا في حديثِه وتفكيرِه، مُحاصَرًا بزمنٍ لا يَريم، بينما هو يحرقُ مراحلَ العُمرِ شوقا إلى عالَمٍ مجهول.
هذه بعض من «جماليات المكان» أو «قيم الألفة» -كما يسميها باشلار- تتردد بشكل مدهش في هذه المجموعة الشعرية الصغيرة. صُوَرٌ شعرية لتفاصيلِ الحياةِ في عمان لا تبثُّ روعتَها في النفس عبر جسور البلاغة القديمة من تشبيه أو استعارة، وإنما من خلال الكلمات البسيطة وكثافة المشهد. (3)
الهوامش
1- العنوان الأصلي:
( Oman Once Visited Never Forgotten (Muscat: Modern Colour Printers، 1999)
2- جاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، الطبعة الثانية (بيروت: المؤسسة الجامعية، 1987).
3- استثنيت من ترجمة قصائد المجموعة قصيدتين، الأولى بعنوان «مخيمو عطلة الأسبوع» والثانية بعنوان «المغتربون في اللهو» وذلك لركاكة وضعف فني فيهما لا يتلاءم مع جودة القصائد الأخرى.
تقديم وترجمة: هلال الحجري