العدد 24 هلال بن سالم السيابي شاعر من عمان لعبداللطيف الأرناؤوط
الجزء ١٥ · صفحة ١عنوان المقال هلال بن سالم السيابي شاعر من عمان
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب عبداللطيف الأرناؤوط
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
الشاعر "هلال سالم السيابي" من سلطنة عمان، هو أحد فرسان الشعر العربي الأصيل، تربطه بالشعر القديم أواصر عشق واستلهام وإعجاب وولاء، حتى ملك ديباجته، وفك مغاليق أسراره الفنية، فغدا البيان العربي الناصع طيعا على لسانه، يرفده تمكن لغوي لابد منه لمن ينظم الشعر التقليدي، لأن هذا الشعر لا يفتح بابه إلا لمن يمتلك ناصية اللغة، فإذا لم يكن متمكنا من اللغة فسرعان ما يظهر عجزه وترديه. على نقيض بعض شعراء القصيدة الحديثة الذين يدارون عجزهم اللغوي برفض كل ما ابتدعته القرائح من صور بيانية موروثة، لأنها في زعمهم بليت وفقدت تأثيرها، وهم في ذلك يحطمون ذلك النسيج اللغوي المتين، ويهربون من التزاماتهم تجاه سلامة التركيب ودقة اللغة واحترام بنيتها ودلالاتها.
وليس غريبا ألا نعرف عن شعر شاعر عماني كالسيابي إلا مصادفة، فالمجلات والصحف عندنا، سدت أبوابها في وجه هذا الشعر، فهي تريد أن تنزع عن الشعر العربي عمامته، وتلبسه القبعة الفرنجية الوافدة، لأنه في نظر المنظرين للتجديد جمدت أساليبه وتجاوزه الزمن، فبدا شعراء القصيدة التقليدية اليوم معلقين غبين ماض يقدرونه ويعتزون به، وحاضر لا يشجعهم على تقديم أنفسهم للناس، وكيف نسمع عن شاعر عماني في بلد عربي آخر، وقد عز التواصل الفكري، وأقيمت الحدود والحواجز بين الواحات الثقافية في الوطن العربي.
واستقل كل بلد بإبداعه، فلا يتاح للقارئ العربي أن يخرج من حدود إقليمه ولا أن يتفاعل والروافد التي تكون نهر الثقافة العربية.
ويبدو أن في طبع الشاعر "هلال السيابي" لونا من التواضع والتهيب والتحرج، فهو لم ينشر من شعره إلا قصائد محدودة في المجلات والصحف المحلية، مع أنه عاش بحكم عمله الدبلوماسي سفيرا لبلده متنقلا بين الأقطار العربية، ودفعه اعتزاره بعروبته وإسلامه إلى أن يخص الأقطار العربية وعواصمها بقصائد غر تفصح عن شاعرية متميزة، وموهبة نادرة لا ترقى إليها قرائح شعراء يحتلون صفحات الجرائد وتنهمر دواوينهم لتملأ الأسواق، فمن حق أولئك الذين يمنعهم الحفاظ عن التماس الشهرة أن ينصفهم النقد، ويضعهم في مكانهم الصحيح بغض النظر عن الشهرة الأدبية التي يسهل اقتناصها، مع ضياع النقد وتحوله، مع الأسف الشديد، إلى أداة ترويج وتكسب وتبادل مصالح.
وقد أسعفني الحظ بالتوصل الى مخطوطة ديوان الشاعر "السيابي" الذي يضم أكثر من مئة قصيدة نصفها في الوطنيات ومثلها في القوميات، وكأن الشاعر وقف شعره على حب وطنه وقومه، فنسي في ذاته، وشغله الهم الوطني والهم القومي عن كل ما عداهما، فهو موزع القلب بين أسى جارف لما آلت إليه حال الأمة العربية من ترد وضعف وفرقة، وما يطمح إليه من أمل في النهضة واسترجاع ما غبر من ماضي الأمة المجيد. يوم دان لها المشرقان، ونشرت نور الاسلام والحضارة في العالم.
ويبدو أن اغتراب الشاعر عن وطنه خلال عمله المتنقل قد أجج في أعماقه حنينا الى الديار والأهل والمرا بع، فبدت "عمان" بقراها ومدنها وجبالها وأوديتها وطبيعتها وعزة شعبها وإبائه، أمله المرتجى وصبوته الحرّى، فيستهل قصائده الوطنية بمطلع أخاذ يناجي فية وطنه ويحييه عن بعد:
حي عني الحمى وحي الديارا
واسق من مهجتي الربا والصحاري
والثم الترب من ثراها، فإني
ما أراه إلا أريجا وغارا
كم مشى موكب العلاء عليه