العدد 48 عمان في الشعر الإنجليزي مايك هايويل ديفيز وجماليات المكان لهلال الحجري
الجزء ١٨ · صفحة ١عنوان المقال عُمان في الشعر الإنجليزي: مايك هايْويل ديفيز وجماليات المكان
صدر في العدد الثامن والأربعون
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
استكمالا لمشروع بدأتُه في أعداد سابقة من نزوى، أقدم اليوم نموذجا آخر من الشعر الإنجليزي الذي تناول عمان ثقافة ومكانا. رأينا سابقا أن الربع الخالي، وهرمز، وظفار، ومسقط، وقلهات، وأماكن أخرى من عمان كان لها صدى قوي في الشعر الإنجليزي منذ القرن السادس عشر وحتى القرن الحالي. وإذا كان حضور عمان في قصائد شعراء مشهورين من أمثال شيلي، ووايت مان، وجون ميلتن، وتوماس مور يمثل في الماضي استلهاما رومانسيا للشرق وغرائبيته، فإن تجربة شاعر إنجليزي معاصر مغمور، هو مايك هايويل-ديفيز Mike Hywel-Davies، في مجموعة أصدرها في مسقط سنة 1999، بعنوان «عمان تزورها ولا تنساها»، تمثل بعدا ونوعا آخر من الشعر. (1)
ليس ثمة مصادر تتحدث عن الشاعر، ولكن عبر مقابلة شخصية معه في مسقط يمكنني على الأقل تسليط الضوء على جانب يسير من حياته. ولد مايك هايويل-ديفيز في لندن سنة 1942، ويبدو أنه لم يرغب في إكمال تعليمه الجامعي، فانخرط في العمل المهني مبكرا. كانت أولى زياراته إلى عمان سنة 1977، لكنها لم تدم طويلا، ليعود بعدها مرة أخرى سنة 1990 ليعمل في شركة النفط العمانية ( PDO) مدة أحد عشر عاما، حتى سنة 2001. يعمل حاليا مديرا عاما لمشروع نادي مسقط الريفي للجولف.
هذا كل ما يتوفر من معلومات حول الشاعر، لكن مجموعته التي اشتملت على ستة عشر نصا إيقاعيا، ترصد المكان والثقافة معا في عمان. النصوص جاءت مصحوبة بروعة الصور التي التقطتها كاميرا الفنانة التصويرية جوليا دي فير ماكلروي ( Julia de vere McIlroy)، والتي تربطها بعمان «ذاكرة ثرة سعيدة» لا تقل عن عشرين عاما، كما تقول.
أهمية قصائد مايك هايويل أنها ترتبط ارتباطا حميميا بتفاصيل الحياة اليومية في عمان. هذا الارتباط الذي يعبر عنه جاستون باشلار في كتابه الرائع جماليات المكان «بقيم الألفة»، القيم التي تمتلك جاذبية تجعل القارئ يتوقف لا إراديا عن قراءة قصيدة حول مكان ما ليصغي لذكرياته حول ذلك المكان.2 «قيم الألفة» هذه تزدحم بأصدائها في كل قصيدة من قصائد مجموعة «عمان تزورها ولا تنساها».
في جبل شمس يلتقط مايك هايويل صورةَ شعرية لرجلٍ عجوز، دامعِ العينين، رثِّ الهيئة، يسوم للسيّاحِ مقتنياتِه البسيطةَ من منسوجاتٍ، وحفريّاتٍ، وفضيّات. يتلكأ في التخلصِ منها، وحين لا يُرضيه الثمن يُولي وجهَه، زاهدًا، شَطْرَ الهاوية السحيقة للجبل، ليُطلَّ على غِرْبانٍ تذرعُ المنحدراتِ في كل حين.
وفي يوم ماطرٍ من أيام الصيفِ الحارقة في عمان، ما مِنْ شيءٍ أجمل وأروعُ في عينِ الشاعرِ الغريبِ من مشهدِ قلعةٍ تلوحُ بعيدا على التلال كدُمْيةٍ في الأفق، أو مشهدِ مئذنةٍ وحيدة وغريبةٍ تحرسُ مسجدًا صامدَا منذ الأزل، أو مشهدِ نُهيْرٍ فضيٍّ يخترق الشِّعاب.
وفي مَحْفلٍ من المحافلِ الشعبيةِ الخاصة بالنساء، لا تُخطئ عينُ مايك هايول صورةَ مهرجانِ الألوانِ الطبيعيةِ الزاهية التي تتبهرجُ بها النساءُ من مختلفِ الأعمار. وفي أسواقِ الماشيةِ يُذهله تَيْسٌ حرونٌ جُلِب للبيع، يَرْشُقُ المساومينَ بعينِ الكراهية والازدراء، بينما تخطرُ أمامَه العنزاتُ بشَبَقٍ ماكر. ويرى الشاعرُ أنّ هذا التيسَ سينتهي لاحقا إلى مُجَرّدِ وَجْبةِ برياني بالتوابل والبهارات، مُهيِّجةٍ للجنس ونافخةٍ للكرش!
وفي رمالِ الشرقية بولاية بدية يلتقط الشاعرُ هايويل-ديفيز مشهدا لفجرٍ صيفي في أعالي الكثبانِ الذهبية، حيث تتكوّنُ مفرداتُ الصورةِ من سماءٍ باهتة، وشُجيراتٍ عطشى، وعظامِ إبلٍ بالية، ورسومِ أقدامٍ عابرة، وقُميرٍ خجولٍ في السماء، ودُخانِ مواقد، وغيومٍ كالحةٍ تبدد شائعاتِ الليل وتصرخُ عاليا في القُبّةِ الزرقاء، وأشعةِ شمسٍ قاسيةٍ تقتحم ظهورَ الكثبانِ تنتزع نداوةَ الفجرِ من أعشابٍ مناضلةٍ تحلم بالحياة.
وفي شواطئ عمان يلمحُ الشاعرُ صيّادِين، لهم عثانينُ قصيرة وعيونٌ ثاقبة، تلتمعُ ملابسُهم الرثّةُ مع حراشفِ أسماكِهم، أصواتُهم الصاخبةُ هازئةٌ بالأفق، وهم يُلقون شِباكَهم الماكرةَ في البحر لتتلقفَ أسرابَ سردينٍ صغيرة،