العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري
الجزء ٢٥ · صفحة ١عنوان المقال: الآراء العقديّة عند الإباضيّة الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عُمان في أمر هارون بن اليمان
صدر في العدد ....
الكاتب: الحسني غابري - باحث واكاديمي من تونس -
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
2 نوفمبر،2014
يعتبر الاختلاف من أبرز السّمات المميّزة للحياة الإنسانية، فهو قانونها الأساسي بل عليه يتوقّف تطوّر الحياة البشريّة من فترة تاريخية إلى أخرى. ولولاه لظلّّت هذه الحياة سائرة على وتيرة واحدة. وإذا كانت هذه سمة الحياة المميّزة، فإنّ الفكر البشري لا يمكن أن يُستثنى منها فهي سمته كذلك. ومن هذا المنطلق يمكن أن ننظر في تاريخ فكرنا الإسلامي الذي جسّدته فرقه المتعدّدة منذ صدر الإسلام. وإن كان لظهورها أسباب مختلفة لعلّ أبرزها الاختلافات السياسية التي بدأت تحتدّ منذ أواخر عهد الخلافة الرّاشدة، فإنّ ذلك لا يمنع من النّظر إليها من زاوية إيجابية متفائلة باعتبار ما تشير إليه من تنوّع في المجال الفكري الذي هو سمة مميّزة لتراثنا الحضاري. فثراء هذا التّراث لا يمكن أن يُحسب إلى إنتاج طائفة معيّنة أو فرقة بعينها.
وفي إطار الإيمان بهذه الحقيقة يتنزّل عملنا هذا الذي يعتني بدراسة أثر من آثار الفكر الإباضي وهو «سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان».والملاحظ أنّ هذا الجهد يعود إلى القرن 2 هـ/8 م فهو يتنزل ضمن فترة التّأسيس التي لا يمكن لباحث في المذهب الإباضي أن يتجاهلها لما لمعرفتها من دور في إدراك استمرار هذا الفكر وتطوّره. ولعلّه من المفيد في هذا السّياق التّذكير بأنّ ما يميّز العقيدة الإسلاميّة هو اختلاف منهج تعامل معتنقيها مع النصوص التي تثبتها» (1) ممّا ساهم في ظهور مدارس فكرية متعدّدة يتميّز كل منها بمنهج معيّن في التعامل مع هذه النصوص وهو ما أدّى إلى ظهور آراء عقدية لكلّ مدرسة. وفي هذا الإطار استقلت المدرسة الإباضية بعلمائها وآرائها في العقيدة الإسلامية. وللتّذكير فإنّ الإباضية هي إحدى أقدم الفرق الإسلامية التي تعود نشأتها إلى النّصف الأوّل من القرن الهجري الأوّل، وقد أخذت اسمها من عبد الله بن إباض أحد فقهائها الأوّلين المتوفّى سنة 86هـ/705م. وقد ارتبطت هذه النشأة بالظّروف السّياسية التي عرفها المسلمون وهم يتنازعون حول السّلطة وخاصّة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 36هـ/656م. فبعد معركة صفّين التي دارت بين علي وأنصاره من جهة ومعاوية وعمرو بن العاص وأنصارهما من جهة أخرى سنة 37هـ/657 م وقبل فيها علي بن أبي طالب بالتحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان انقسم المسلمون إلى ثلاث كتل هي كتلة علي بن أبي طالب التي تحوّلت تسميتها فيما بعد إلى شيعة وكتلة معاوية بن أبي سفيان المتوفى سنة 60هـ/680م التي تحوّلت تسميتها إلى سنّة والكتلة التي عُرفت بالمحكّمة وهي التي رفضت التّحكيم وتمّ تلقيبها بعد ذلك بالخوارج. وبين هذه الكتلة الأخيرة وعلي بن أبي طالب جرت معركة النّهروان سنة 38هـ/658م التي قتل فيها عدد كبير منها ولم تبق إلا فئة قليلة كما قتل في هذه المعركة عبدالله بن وهب الراسبي الذي بايعته الجماعة فتحوّلت إلى الكتمان التّام وتولّى أمرها عروة بن أديّة وأخوه أبو بلال بن مرداس بن حدير وانضم إلى هذا الثنائي جابر بن زيد وعبد الله بن إباض ونافع بن الأزرق وعبد الله بن الصّفار ونجدة بن عامر. وبتولّي زياد بن أبيه المتوفّى سنة 53هـ/673م السّلطة على العراق وتشديده ملاحقة كلّ المناوئين للسّلطة الأموية انقسمت المحكّمة إلى قسمين «قسم فضّل مراجعة النفس والرّجوع إلى السّلم والتفكير في استخدام أساليب أخرى ومن هؤلاء زُرعت بذرة الاتّجاه المعتدل الذين منهم الإباضية» (2). ومن هؤلاء كان الإمام جابر بن زيد المتوفّى سنة 93هـ/712م و عبد الله بن إباض المتوفّى سنة 86هـ/705م. وقد كان هؤلاء يرون ألاّ سبيل إلى النّجاة بحركتهم «إلا بالقعود وتركيز ثقافة محورها حفظ تعاليم الإسلام» (3). أمّا القسم الثاني فقد مثّله نافع بن الأزرق ومن والاه وقد اعتمد مبدأ ردّ القوّة بالقوّة وأقرّ مبدإ الاستعراض الذي يعني قتل كلّ المعترضين من المخالفين بما في ذلك الأطفال والنّساء «وعن هذا المنهج تبلورت الأزارقة والنجدات والصّفرية» (4). وبتحوّل حركة نافع بن الأزرق من القول إلى العمل بما ذكرنا من الأسس السابقة برئت منها حركة جابر بن زيد وعبد الله بن إباض اللّذين فهما الخروج بأنّه مروق عن الدين وفي هذا الإطار يقول عبد الله بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان «إنّا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام في ما ظهر