مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 12 العادات والتقاليد العمانية المغربية- المرجعية التاريخية والاطار المشترك لإبراهيم القادري بوتشيش

الجزء ٤ · صفحة ١

عنوان المقال العادات والتقاليد العمانية = المغربية: المرجعية التاريخية والاطار المشترك

صدر في العدد الثاني عشر

الكاتب ابراهيم القادري بوتشيش

تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان

من المقولات العلمية التي تقوم عليها نظريات المؤرخين والسوسيولوجيين والمهتمين بثقافة المجتمعات، أن العادات والتقاليد المشتركة بين بلدين من البلدان لا يمكن أن تولد من فراغ، بل تتأسس في الغالب الأعم من خلال رصيد تراكمي من الارث الحضاري الذي يفرزه واقع الصلات التاريخية المتجذرة بينهما.

من هذا المنظور، نتناول في هذا السطور دراسة بعض العادات والتقاليد المشتركة بين مجتمعين متباعدين جغرافيا، ولكنهما متقاربان في الكثير من العادات والتقاليد ويتعلق الأمر بمجتمعي عملان والمغرب. ونحن في غنى عن القول - من أول وهلة - أن العروبة والاسلام شكلا الاطار المرجعي العام لهذا التشابه الذي يسترعي انتباه كل دارس سبر غور المجتمعين المذكورين، لكن مع الاقرار بفاعلية هذه القاعدة الصلبة في تشكيل خيوط التقارب المنوه به، لا تعوزنا القرائن لاثبات ما تمخض عن الخصوصية التاريخية للبلدين من عادات متشابهة. ويخيل الينا أن هذا التشابه ما كان ليحدث لولا التواصل الحضاري الذي يصم صيرورة البلدين وتميز بالاستمرارية عبر العصور التاريخية، لذلك نكاد نجزم أنه من الصعب تفسير هذا الرصيد المشترك من العادات دون الرجوع الى الخلفية التاريخية التي ولدت هذه الأخيرة من رحمها، ومن ثم نرى ضرورة الاهتداء بها - ولو في عجالة - لتحليل هذه الظواهر الاجتماعية المشتركة وفك مغلقاتها، ولو أن الحوليات التاريخية لا تسعف كثيرا في هذا المجال لأن المؤرخ في العصر الاسلامي ظل أسير الحدث السياسي والتقارير العسكرية، ولم يورد بصدد العادات الاجتماعية سوى اشارات باهتة وشوارد محتشمة لا تفيد في الاحاطة والالمام بهذه الحلقة المفقودة في تاريخ المجتمعات. بيد أنه يمكن سد هذا النقص في الحوليات التاريخية بكتب الرحلات ومؤلفات السفير والتراجم.

أولا: الموجعية التاريخية

من الثابت أن العلاقات العمانية - المغربية - تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ينهض دليلا على ذلك ما أفصحت عنه النصوص القديمة والحفريات الأثرية. وقد كفتنا الدراسات الحديثة مؤونة تتبع تفاصيل مسار هذه الصلات القديمة اذ أكدت بما لايدع مجالا للشك وجودها بين البلدين منذ الحقب الغابرة (1).

ومع مطلع الاسلام، اتخذت هذه العلاقات بعدا روحيا واجتماعيا عظيم الأهمية، فمنذ انطلاقة الشرارة الأولى للفتوحات الاسلامية، بدأت قبائل الأزد العمانية تتوافد على بلاد المغرب للمشاركة في حركة الجهاد ونشر الاسلام ببلاد المغرب. وفي هذا الصدد يزودنا المؤرخ ابن عبدا لحكم (2) بنص هام حول مساهمة ألف وأربعمائة من الأزد في الفتوحات الاسلامية بالمغرب الأدنى. وعند انتهاء عمليات الفتح، طاب المقام لبعضهم فآثروا المغرب موطنا، واستقروا في بعض حواضره كسجلماسة وتاهرت (3) مما ساهم في خلق امتزاج اجتماعي كان وراء ميلاد عادات وتقاليد عمانية - مغربية مشتركة دون شك.

وبظهور المذهب. الإباضي، تصاعدت وتيرة الصلات التاريخية بين البلدين، وصار عودها أشد ملامة، ولا غرر فقد نشط الدعاة الإبأضيون في بلاد المغرب، وتكثف نشاطهم التدريسي بها حتى أن أحدهم لقب بشيخ المغاربة (4). وبالمثل، ولغرض استيعاب المذهب الإباضي، شد المغاربة الرحال الى عمان أو البصرة التي كانت مدينة عمانية لكثرة التواجد العماني فيها كما يجمع على ذلك الدارسون (4م). وكان من بين أولئك المقاربة، الأقطاب الأوائل الذين تسميهم المصادر بحملة العلم 0 0.وقد تمخض عن هذه العلاقات العلمية نشوء مدرسة عمانية - مغربية لها توجهات فكرية مشتركة أسفرت - ضمن ما أسفرت عنه - عن تأسيس امارات إباضية في بلاد المغرب أفلحت في تمتين العلاقات السياسية بين البلدين (6).

وبالمثل أضافت الرحلات التجارية لبنة أخرى لتدعيم الصلات التاريخية بينهما، اذ يمم التجار الإباضيون وجههم شطر بلاد المغرب لاستثمار عملياتهم التجارية ونوظيفها لدعم نشاط دعاتهم بالمال الحلال. وفي المقابل، حمل التجار المقاربة بضائعهم وسلعهم نحو عمان (7)، مما أسفر عن تنشيه المبادلات بين البلدين.

كما أن رغبة الدعاة الإباضيين في تعريب البربر ونشر الاسلام سلميا بين القبائل الأمازيغية المغربية التي لم يكن الاسلام قد ترسخ فيها بعد، وفي المناطق الجبلية على الخصوص، زاد من تجذر الصلات بين المغرب وعمان.

٣٩ / ٣٥٢