العدد 19 النخلة روح الريف العماني ويد السخاء التي لاتنقبض لمحمود الرحبي
الجزء ٧ · صفحة ١عنوان المقال النخلة روح الريف العماني، ويد السخاء التي لاتنقبض
صدر في العدد التاسع عشر
الكاتب محمود الرحبي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
كيف تتمتع شجرة واحدة بهذا الثراء العجيب
الذي يصل في وفرته الى حدود الوهم!!
استطاعت النخلة أن تبرهن على أنها الأكثر عطاء دون سائر الأشجار، فهي الى جانب سخائها الذي لا ينقبض على مدارا لعام، تحتوي على اشتقاقات انتاجية كبيرة، حيث تشكل - على هزالها الظاهر- مصنعا بشريا لا نظير لتنوعه بين المخلوقات الخضراء، فلنتوقف مثلا عند حدود السعفة، ولننظر الى بحر الأيادي التي تركض فلفها، وكيف ينتفع بأخضرها ويابسها.
فبداية من التشريط الذي يعتبر أحدى مهن البيدوة الأساسي وانتقالا الى الظفر أو السف _في مشهده الجماعي الحميم _ متهاطلا من بين أصابع المسنين في دائرة أحاديثهم وتشنجاتهم (1) التي لا تدور بعيدا عن النخلة وشؤونها، ثم ما يرصد ذلك من تنويع هندسي يعكس فجوات الحاجة المتعددة التي استطاعت النخلة أن تسدها على مدار حياة الريف العماني، فالأجربة بأحجامها المختلفة وبنوعيها. المفتوحة (القفر) والمغلقة (3) (الضروف)، والمضفورة بمهارة وقوة تعص عن اختراقها والعبث بها أكثر أشعة الضوء سطوة ونشاطا.
وهناك الجبب أوعية السعف الصغيرة التي يتأرجح بها الأطفال والصبايا حديثات الزواج في التواءات الظهيرة والغروب باحثين عما تسقطه الريح في، الأرض من بلح وخلال (4).
لذا يمكن رؤية هذه الأواني بأحجامها المختلفة منتشرة بين مسالك الأحواش ومرابض الماشية (5) أو معلقة في نتوءات الأشجار وكرب النخل.
وهناك ضفائر أخرى لا تقل أهمية (6) يمكن اشتقاقها من السعف فالسمة
تلك الرقعة الدائرية المتفاوتة الأحجام، لا معنى لعدم وجودها في مناسبات الولائم والذبح في الريف العماني وحبال طلوع النخل من أهم اشتقاقات السعف وأكثرها مرونة في هندسة الشكل واتقانه، لدورها المصيري في توثيق حياة طالع النخلة المعلقة في فجوة هلامية بين رأس النخلة والأرض.
وهناك الدعون (7) مرابض النوم الضحية، التي تجمع سكان البيوت فوق
أسطحها المعلقة والقريبة من ترددات الريح ونسائم الليل يرطنون الأحاديث الخافتة الى أن تغشاهم سحب النوم.
الى جانب قائمة أخرى من المشتقات التي تبرهن على سخاء جانب واحد من
تكوينات النخلة وهو السعف، فهناك الملاهب (8) بثقوبها البارقة بوميض متردد وهي تموج أمام الوجوه المعروقة والنظرات الساهمة في المدى القائظ، والمجامع (9) المسنونة في أحزمة من العصي توجه انحناء السقف في وجه نثار النفايات المبعثرة فوق الأحمرة المصنوعة بدورها من السعف. والمباخر (10) التي تتمايس سيدة لساحات الأعراس وموائد البخور بدخانها العطري الكثيف الى جانب الشتوت (11) والمناسف (12).
كما ساهم السعف في ترحب الأنواع المختلفة لأفرشة الجلوس والتحميل في الحيوانات مثل الاثواج الاأحلاس (12) والتي لا بد منها لاناطة دور عملي للحمير. واذا توقفنا عند هذه القائمة من الاشتقاقات الصناعية التي يوفرها السعف وحده وانتقلنا الى أحد النتاجات أو الزوائد الخارجية للنخلة وهو الليف ذلك اللحاء البني ذو القسمات المجروشة. المترددة بين التشابك والانفراد، لنجد تعددا غير هين للوظائف، فمن هذا العنصر يمكن استصناع أحجام مختلفة من الحبال يرى لتنوعها وكأنما اشتقت من منابع مختلفة وليس من ذلك اللحاء الذي لا يلمح لهامشيته، فمن الاستصناعات التي توفرها مادة الألياف الجواني أو الأشوال بأحجامها ووظائفها المتباينة والحبال بأنواعها الكرار (14) والصواع (15)، والموارد (16) ومقاود أخطمة الدواب، الى جانب دخوله في