العدد 62 محمد ناصر الجزائري في أوراق ثقافية من عمان لسميرة أنساعد
الجزء ٢١ · صفحة ١عنوان المقال محمد ناصر الجزائري في أوراق ثقافية من عُمان
صدر في العدد الثاني والستون
الكاتب سميرة أنساعد
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
تعد الرحلة من الألوان التعبيرية الأولى، التي تعتمد السرد بضمير المتكلم، وتعبّر عن الأنا مع انفتاحها على الآخر، وتقديمها صورة عنه، منطبعة بأحاسيس الإعجاب، أو الاستغراب، أو الاعتزاز بالذات، وهي من الأنواع القصصية التي تتداخل فيها أنواع عديدة من الخطابات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، وتداولتها، كالشعر، والجغرافيا، والتاريخ، والسيرة الذاتية، أو الغيرية، والإيديولوجيا … وغيرها من الخطابات، كما تضمن نصوصُ الرحلة لقرّائها توفير المتعة، والتشويق، وتخبرهم بالكثير مما يجهلون، استنادا على ما يولّده فعل السفر، والتنقل من أحداث متراتبة، ومشاهدات، ورؤى متجددة بتجدد المكان، والزمان، وحالات النفس الرحالة. (1)
وقد أنجز الجزائريون رحلات كثيرة نحو المشرق منذ دخول الإسلام إلى بلاد إفريقية، والمغرب العربي، لأغراض مختلفة، أبرزها طلب العلم، والقيام بفريضة الحج، والسياحة ببلدان المشرق الكثيرة، واقترنت الرحلة إلى المشرق حديثا، بأسباب سياسية، وحضارية، من مثل القيام برحلات كشفية، أو التعريف بالجزائر، وكذلك القيام بمهمات سياسية، وسفارية، وكذلك حضور مؤتمرات، وملتقيات علمية.
وكانت أبرز المدن المقصودة في أول عهود الجزائريين بالرحلة، بغداد محل الخلافة الإسلامية، وكذلك قاهرة مصر، وهي محل علم وثقافة، ومعروف عن أهلها، وعن أهل مصر جميعا، حسن الضيافة، والعناية بالغرباء، وفيها جامع الأزهر، الذي كان أشهر المراكز الثقافية والإسلامية في الوطن العربي؛ إذ إن أغلب العلماء وطلبة العلم تخرجوا منه، ونالوا إجازات كبار شيوخه، أما الحجاز- بأشهر مدنه، كمكة والمدينة وجدة والينبوع- فكان مقصد الحجاج والطلبة من كل ناحية، وكذلك سجلت أعداد كبيرة من الرحلات والهجرات من الجزائر نحو دمشق الشام، التي كانت كذلك حاضرة علم عامرة، يتمتع أهلها بكرم الضيافة، وحسن المعاملة، أما رحلات العصر الحديث، فقد اقترنت بوجهات جديدة مشرقية سجّل أحداث السفر إليها عدد من الرحالين الجزائريين، ومن هذه الوجهات: الكويت، والبحرين (2)، وسلطنة عمان.
ويقدّم الصحفي الرحالة محمد ناصر (3) نموذجا نادرا في الأدب الجزائري؛ حيث اعتنت رحلته بتسجيل أحداث سفره إلى مسقط عاصمة عُمان (4)، بهدف حضور ندوة ثقافية خصصت لإلقاء الضوء على شخصية الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، وبدعوة من وزارة التربية التعليم، فاشتملت الرحلة المدونة حلقتين معنونتين بـ «الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه في ندوة ثقافية»، و «جسور للمحبة والتعاون»، مندرجتين تحت عنوان عام هو: «أوراق ثقافية من عمان»، إضافة إلى عناوين أخرى شملتها الحلقة الثانية، وهي: «إحياء التراث الفكري والعلمي»، و «كنوز ومخطوطات»، و «معالم حضارية رائدة».
ومن هذه العناوين، نستخلص أن محمد ناصر لم يكتف بسرد أعمال الندوة ومحاضراتها، بل آثر أن يسجّل مختلف انطباعاته، ومشاهداته أثناء زيارته مسجد الصحابي مازن بن غضوبة ببلدة سمائل، ومدينة الرستاق، وحصن الحزم، وغيرها من الأماكن التي وصفها الرحالة، وأظهر محاسنها، دون أن ينسى مدح أهل عُمان، والثناء على خصالهم، وإنجازاتهم الثقافية والدينية، لخدمة الإسلام والأمة الإسلامية.
1. أحداث الرحلة:
كان انطلاق محمد ناصر من الجزائر نحو مطار مسقط (السيب سابقا) في مسقط يوم السبت السابع والعشرين من شهر أكتوبر عام تسعين وتسعمائة بعد الألف، ولم يحدد لنا الكاتب مراحل السفر الأولى، بل شرع في التقديم لرحلته بالرجوع إلى ماضي الكتابة، وقبل ثلاث سنوات بالضبط، متى قرّرت وزارة التربية والتعليم والشباب بالسلطنة تنظيم ندوة ثقافية كل سنة تخصص لموضوع بارز، يشارك فيه الباحثون من كل مكان، ويصل إلى سنة التأليف فيقول: «أما ندوة هذه السنة فقد خصصت لدراسة حياة وأدب الصحابي الجليل مازن بن غضوبة السعدي الذي يعد في نظر المؤرخين أول من أدخل الإسلام إلى عمان أسلم على يد الرسول الكريم والتقى به مرارا في المدينة ومكة وقد تحدثت المصادر القديمة عن فضله وأخلاقه العالية، وقد شرفتنا وزارة التربية أنا وزميلي الأستاذ محمد بوحجام من جامعة باتنة بدعوة كريمة للمشاركة في هذه الندوة ببحثين حول حياة هذا الصحابي الجليل، وكانت فرصة لنا للالتقاء بالمشائخ والعلماء والأدباء هناك، وزيارة المعالم الأثرية للحضارة الإسلامية في تلك الربوع العريقة، والحق لقد كانت الحفاوة بالغة، والعناية بالمشاركين في الندوة فائقة والجو العلمي رائعا، تنظيما ورعاية، وإقبالا مشجعا من طرف المسؤولين أو من طلاب الجامعة والمعاهد الإسلامية.» (5)
وبعد هذه الافتتاحية، انتقل المؤلف إلى ذكر تفاصيل الندوة، ومحاضراتها، التي انطلقت أعمالها يوم الأحد التالي ليوم وصوله إلى مسقط، وتمّت أعمالها يوم الأربعاء من الأسبوع ذاته، وكان تتالي الأحداث في برنامج الندوة يقوم على تعيين يوم، ووقت المحاضرة، واسم المحاضر وموضوع تدخله، ثم المعقبين على التدخل في الأخير، وكانت الجلسة الثانية: «للبحث الذي قدّمه محمد ناصر من جامعة الجزائر بعنوان «مازن بن غضوبة (رضي الله