مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 73 الثورة الجزائرية في الوجدان المصري لشعبان يوسف

الجزء ٢٤ · صفحة ١

عنوان المقال الثورة الجزائرية في الوجدان المصري

صدر في العدد الثالث والسبعون

الكاتب شعبان يوسف

تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان

لم تكن العلاقة بين مصر والجزائر مجرد شعارات متبادلة بين شعبين في مرحلة من مراحلها، أو زيارات بروتوكولية كما يحدث عادة بين الدول، بل كانت العلاقة متجذرة إلى حد بعيد على أرضية من الكفاح المشترك ضد كافة أشكال الاستعمار المتعدد والذي كان متنفذا في جسد المنطقة العربية والأفريقية بشكل متوحش، وكان هذا الاستعمار الذي يعود الآن بأقنعة أخرى، يعيش على نهب ثروات هذه الشعوب، من خلال توحش سياسي وعسكري واقتصادي، وكان الاستعمار الفرنسي يكثف كافة أشكال توحشه في الجزائر منذ قرن ونيف، وكان يعتبر هذا الأمر مهمة مقدسة، دون أي اعتبارات، مع تواطؤات دولية عديدة، دخلت في لعبة تقسيم ثروات الأمم، ومقدرات الشعوب، وكانت الجزائر مقاطعة فرنسية، تعود ثرواتها على أغنياء فرنسا، والعملاء الذين يتعاونون معها بالداخل، وقد ظهرت مؤلفات وكتب في مصر وغيرها من البلدان العربية عديدة، وإن لم تكن بالكثلفة التي ظهرت بها بعد عام 1954، ومن هذه الكتب التي ظهرت في الاربعينيات كتاب جاد للكاتب السياسي أحمد رمزي، وكان عنوانه «الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقية»، وأسهب الباحث في الكتاب شارحا الاوضاع التي آلت إليها السياسات الاستعمارية في الجزائر، ومن خلال الفصول التي خصصت للجزائر كتب عن قصة الاعتداء على الجزائر منذ بداية الاحتلال، ثم كتب فصلا رائعا عن الأمير عبد القادر الجزائري، ثم اختتم الكتاب بفصلين عن المواجهة العربية للاستعمار، والثاني عن المواجهة الإسلامية لهذا الاستعمار، وقد صدر الكتاب عام 1948 عن دار «لجنة البيان العربي»، ولأن انتصار الجزائر فيما بعد وفي مرحلتها النضالية الأعنف والأكثر شمولا منذ نوفمبر 1954، كان انتصارا لكافة الشعوب المناضلة ضد الاستعمار وأعوانه، وقيادات هذه الشعوب، وكانت الدولة المصرية الفتية في ذلك الوقت، بقيادة جمال عبدالناصر قائد ثورة يوليو من أشد المناصرين لثورة الجزائر، وكانت الدولة المصرية تحتضن في ذلك الوقت كافة قيادات الحركات التحررية في العالم العربي، وكذلك كانت الحركة الثقافية والسياسية التقدمية المصرية تلعب دورا كبيرا في التعريف بالثقافة الجزائرية، وبالكتاب الجزائريين على نطاق واسع، وفي مجلات وصحف واسعة الانتشار، وبأقلام كتاب ومفكرين مصريين كبار ومؤثرين، وذي حضور ثقافي واسع بين الجماهير، وعلى رأس هؤلاء الدكتور طه حسين، وكان حضور طه حسين كبيرا في الثقافة المصرية والعربية، ومازال هذا الحضور يحظى باحترام وتقدير كبيرين، وبالإضافة إلى ذلك فطه حسين كان يكتب عن أعمال ذات قيمة عالية، وكان لا يعرف المجاملة، وعندما صدرت رواية الكاتب الجزائري «مولود معمري» الربوة المنسية عام 1952، وكانت الرواية تتعرض للعلاقة بين الجديد والقديم، وكان معمري منحازا ككاتب طليعي للعالم الجديد، دون كراهية للتقاليد والعادات والقيم النبيلة والأصيلة التي يحملها أهله، بل أنه كان متمسكا بهذه الأبعاد، شريطة أن تكون مناسبة للعصر الذي نعيش فيه، ولا تكون مناقضة له بأي شكل من الأشكال، لذلك فقد عانى من هجوم عنيف من بعض النقاد الكلاسيكيين، والذين كانوا منحازين بقوة للقديم تحت رايات الاصالة والدين وماشابه ذلك من ذرائع، فماكان من معمري إلا أن أرسل روايته للدكتور طه حسين، وقرأها العميد، وتحمس لها، وكتب مقالا نقديا رصينا ومنصفا للرواية، ونشره في أول يناير عام 1954 بجريدة الجمهورية، ثم أعاد نشره في كتاب «نقد وإصلاح» وصدرت طبعته الأولي في بيروت عام 1956، وقد لفت هذا المقال النظر للرواية فيما بعد، ولم يكن طه حسين يعرف مولود معمري على أي مستوى شخصي أو أدبي، أي أن المقال جاء لوجه النقد خالصا، يقول طه حسين في صدر المقال: (صاحب هذا الكتاب أخ لنا من أهل الجزائر لا أعرفه ولا أكاد أحقق اسمه الذي يحمله كتابه هذا مكتوبا باللغة الفرنسية)، وبعد أن يلخص طه حسين الرواية، وهو يعتبرها كتابا، حيث يقول: (الكتاب دراسة اجتماعية عميقة دقيقة مفصلة مستقاة تصور أهل الربوة هذه في عزلتهم تلك، وقد فرغوا لأنفسهم واعتمدوا عليها)، وبعد تحليل دقيق للرواية، وقراءة وافية يختتم طه حسين مقاله قائلا: (ما اشد إعجابي بهذا الكتاب الذي لا أنكر من أمره شيئا إلا أنه لم يكتب بالعربية، وكان خليقا أن يكتب بها، ولكن هذا عيب لا يؤخذ به الكاتب وإنما يؤخذ به الاستعمار، وما أكثر ما يؤخذ به الاستعمار من العيوب والذنوب).

وأظن أن هذا المقال لم يكن تعريفا بمولود معمري فحسب، ولا بروايته «الربوة المنسية» فقط، بل كان لفتاحادا لأدب يكتبه جزائريون، ولا يعرف المشرقيون عنهم شيئا، ولذلك تواترت الكتابة النقدية عن الكتاب الجزائريين والتعريف بهم بشكل واسع في محيط الثقافة المصرية والعربية ككل، وتضافرت هذه الحملة الواسعة التي تقوم بالتعريف بالأدب الجزائري، مع محاولات لترجمة نصوص روائية وقصصية وشعرية جزائرية، وأحيانا تتم

٢٣٨ / ٣٥٢