العدد 24 عبدالله الخليلي شيخ القصيدة العمانية الذي سحر البيان بلغته العذبة محمد بن سليمان الحضرمي
الجزء ١٣ · صفحة ١عنوان المقال عبدالله الخليلي .. شيخ القصيدة العمانية الذي سحر البيان بلغته العذبة
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب محمد بن سليمان الحضرمي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
إذا قلنا إن عبد الله الخليلي هو شيخ القصيدة العمانية خلال النصف الأخير من القرن العشرين فليس في ذلك مبالغة ولا إطراء، قصيدته جامعة للكثير من اللطائف البلاغية بمعانيها وبيانها، إلى جانبا ما تمتاز به من انفراد لغوي، إذ فيها خليط سحري من الإلهام المقذوف في لب الشاعر والاستلهام الذي يوظفه ليوشي به قصيدته، عشق يتجلى في لغة ناصعة ليس فيها حشو ولا مفردات ركيكة، واذا كان الشعر لا يورث كبقية الأشياء التي تنبت في ارض خصبة من عبقرية الإنسان، إلا انه لا يمكن القول بأن الشاعر الكبير عبد الله الخليلي لم يرث الشعر!، إذ ثمة جذور ذهبية ينتسب لها وتنتسب اليه كابرا عن كابر، فهو ينحدر من سلسلة مرصعة بدرر أدبية قدمت الكثير وأثرت المكتبة العمانية بنتاجها، فأبوه كان شاعرا وجده عبد الله بن سعيد كان له ديوان شعر بقيت منه قصائد متفرقة بعد أن ضاع ديوانه في ظل ظروف غامضة، وعمه الأمام محمد بن عبد الله الخليلي كان معروفا بنزوعه للشعر وهو صاحب عبارة وشيقة تنم عن حصافة وملكة خفية، حيث يظهر ذلك في فتاواه، وكذلك جده لأبيه العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي صاحب الباع الطويل في علوم اللغة، الذي بلغ الذروة العليا والسنا لم الرفيع في الفقه والأدب، حتى أصبح مرجع العمانيين خلال النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، وله من نتاجه المشهود له بالنبوغ ألفية حوت أبواب علم الصرف، شرحها شرحا مستفيضا في كتاب أسماه (مقاليد التصريف) كما إن له كتاب (المظهر الخافي في علم العروض والقوافي) وله ديوان شعر في التصوف والسلوك، ولعل أشهر نصوصه قصيدة (سموط الثناء) تتضمن 84 بيتا يقول مطلعا:
سموط ثناء في سموط فريد
بكل لسان قد بثثن وجيد
وحمد تغص الكائنات بنشره
إذا نشرت منه أجل برود
الخ القصيدة الرائعة التي أشبعها بالتوسل في الذات الإلهية وقد شرحها الأديب جمعة بن خصيف الهنائي - أحد تلامذة الشيخ سعيد الخليلي - وخمسها شاعر العرب الكبير أبو مسلم الرواحي، الى جانب مؤلفات أخرى.
هذه نبذة عن نسب الشاعر الأدبي، وعلاقته الوطيدة بالإبداع، وهذه هي روافد الإبداع التي تغذى منها عبد الله الخليلي وغذى بها موهبته الأصيلة التي نمت وترعرعت في أرض خصبة، حتى أصبح ظاهرة لغوية يشار لها بالبنان.
فهو شيخ القصيدة العمانية بلا منازع، لأن الشعراء العمانيين المعاصرين أغلبهم خرجوا من معطفه ونشأوا تحت ظلال قصيدته وتغذوا بلغته واقتاتوا من مفردات قصائده، وبالأخص أولئك الذين تعلقوا بأهداب القصيدة العمودية ولا يزالون، رغم أن عطاءهم ضعيف مقارنة بانتاج عبد الله الخليلي، لقد اكتفوا بترصيع القوافي ولم يستطيعوا اقتناص المعاني، يبدو أنها غير طيعة فهي حصان حرون وغزال شارد في براري اللغة الشاسعة.
ومع ذلك، مع هذه الملكة الفذة، ومع هذه اللغة الساحرة الآخذة بنواصي البيان والأخاذة في مرايا القلوب، الا أن الشاعر ظل مغيبا عن النقد، مع أن له حضورا في الساحة الثقافية العمانية في ثمانينات القرن الماضي.
لم يكن الشاعر ذا حظ مع واضعي المنهج الدراسي لطلابنا، إذ لم نقرأ له سوى قصيدة يتيمة! كانت في الحث على طلب العلم يقول في مطلعها:
أقم على العلم واترك رأي من خملا