العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ١عنوان المقال المعارضات الشعرية في عُمان
صدر في العدد الحادي والخمسون
الكاتب أيمن محمد ميدان
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
إن قراءةً واعيةً للشعر العُماني منذ تحقَّق له الانفصالُ والتميُّزُ بعد فترة تماهٍ دامتْ خمسةَ قرونٍ ونصفَ القرنِ من الزمان - تشي بأنَّ فَنَّ المعارضةِ واحدٌ من أهم ظواهره امتداداً وبروزاً وقدامةً، وهو أمرٌ طبيعي، وليس «غريباً على منطق النهضات الأدبية الإحيائية في عمومها، إذ عادةً ما يتمُّ فيها الإحياءُ مقترناً بنوع من الرجعةِ إلى الماضي، أو الارتدادِ إلى التراث، ومن ثَمَّ قد يبدو وكأنَّ آدابَ الأُممِ في بداياتِ تطورها تَسْلُكُ طريقاً معكوساً حين تنحو إلى التغيير فلا تجد سبيلاً إليه إلا بمحاكاةِ أروعِ النماذج التي حفظها تاريخُ هذه الأممِ». … (1)
وتعدُّ المعارضة رافداً من روافد إثراء التجربة الشعرية بمعين لا ينضب من التجارب الفنية الناضجة التي يُجْرِي معها الشعراءُ في العصور اللاحقة حواراً فنياً يتسم بالانبهار الذي لا يبلغ حَدَّ الاستلاب، والرغبةِ في المجاراة والتجاوز، وهما ملحمان ينطوي عليهما مفهوم المعارضةِ لُغةً.
إنَّ قراءةً واعية للأصل اللغوي للفظة (المعارضة) (2) تشي باحتضانها لمنظورين دلاليين يتكاملان أكثر مما يتفاضلان، هما: المماثلة التي ترتكز على غريزة المحاكاة (3) والمقابلة التي تُجَسِّدُ غريزةَ المنافسة التي فُطِرَ الإنسانُ عليها (4)، والمعارضة بهذين المنظورين المتكاملين «لا تحدُث إلا حين يأنس المعارِضُ من نفسه رغبة التحدِّي وحُبَّ الغَلبِ، وفي هذا ما فيه من شهوة التفوق والتفرُّد بالكمال». (5)
والمعارضة باعتبارها ضرباً من ضروب نَظْمِ الشعر يختصُّ به الأدبُ العربي وسُنَّة أدبية اتبعها العرب منذ القِدَم - لم تَحْظَ بدراسةً علمية تضبطُ مصطلحاً أو تمحِّص مفهوماً (6)، فظل المصطلح ضبابيَّ الدلالةِ غائمَ المفهوم؛ ففي الوقت الذي يُوَسِّعُ الدكتور فتّوح من حدود المصطلح (الظاهرة)، فيزيل الحدود الفاصلة بين المعارضة القائمة على أسس فنية بحتة، والنقيضة القائمة على مُحَرِّضاتٍ قبلية أو عِرقيّة أو دينية (7)، يأتي الدكتور محمد محمود قاسم ليخفِّفَ من شرائط المعارضة قائلاً بمعارضة ناقصة، فأوشك أن يُدْخلَ فيها الشعر العربي كُلَّهُ!!. (8)
ونظراً لسعة الظاهرة زماناً وضخامتها مُنْجزاً، وحرصاً على الاتشاح بوشاحٍ علمي فإننا سوف نحصر دراستنا في معارضات ستة شعراء عُمانيين يتوزّعون على الخارطةِ الشعرية، مع الاستعانة بالأشباه والنظائر لدى آخرين، والشعراء هم: السّتالي والنبهاني واللواح الخروصي وابن رزيق وأبو مسلم البهلاني وأبو سرور السمائلي.
أولاً- أنماط المعارضة:
يمكن أن ندرجَ معارضات الشعراء العُمانيين وفق ثلاثة أُطُرٍ تتمايزُ فيما بينها، وهي: معارضات ملفوظة ومضمرة ومجملة.
1/ 1 - المعارضة الملفوظة:
وهي ما صاحبها نَصٌّ صريحٌ على نِيَّةِ المعارضة، وتُعَدُّ أقل الأنماط بروزاً، إذ قلما صرَّح الشاعر العُماني بقصد المعارضة، مثال ذلك ما حدث في معارضة النبهاني لأبي العلاء المعرّي حين نقرأ في بداية المعارضة الجملة الآتية (وقال أيضاً يعارض المعرّي) (9)، ومثله أيضاً ما حدث في معارضة ابن رزيق لمعلقة طرفة بن العبد إذ صُدِّرَتْ معارضته بالجملة الآتية: (وقال يمدحه ويُعارض بها معلقة طرفة المشهورة) (10) وأما أبو الصوفي فإنَّه أشار إلى المعارضة صراحةً في أربعة مواضع، حيث صدَّر حائيته التي مدح بها السلطان فيصل بقوله: «وقال مُجارياً لقصيدة ابن النحاس». (11)
1/ 2 - المعارضة المضمرة: