العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان
الجزء ٢٢ · صفحة ١عنوان المقال عُمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى
صدر في العدد الخامس والستون
الكاتب عبد الله بن علي العليان
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
عرفت عُمان منذ أقدم العصور بريادتها البحرية وصلاتها التاريخية الكبيرة مع الحضارات القديمة للتبادل الثقافي والنشاط الاقتصادي، لاسيما الحضارات السومرية والبابلية والفرعونية والرومانية وغيرها من الأمم والحضارات في حقب مختلفة. كان العمانيون في الطليعة يرتادون البحر والحرفة الملاحية، والذين اعتبرت مغامراتهم وأسفارهم مثلاً يحتذى به في الإقدام والجرأة والشجاعة للتواصل مع الشعوب والحضارات، ونشر الدين من خلال المعاملة والأمانة والصدق، ومن ضمن هذه الاهتمامات وضع مرتكزات أساسية للتواصل الحضاري والاقتصادي. (1)
أولا: الاهتمام بالتجارة البحرية
حتى أنهم لقبوا بسادة البحار لكثرة نشاطهم البحري العريق عبر التاريخ. وفي بعض المصادر وردت تسمية عمان ببلاد الفضة والنحاس، وذلك إشارة إلى كثرة وجود هذين المعدنين قديماً في عمان، وقد ورد ذلك في اللوحة الخاصة بالملك الأكادي المسمى (ماني شتوسو) والتي تذكر أن هذا الملك قد أحضر معدن الفضة من عمان، كما تشير اللوحات التي ترجع إلى ما قبل القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد إلى وجود صلات تجارية بين مجان (عمان) والأكاديين ولعل ذلك بسبب انتزاع سيادة طرق التجارة البحرية عبر المحيط الهندي، وفي صفحات مطوية من تأثير الحضارة العمانية – يشير الباحث د. محمد سليمان أيوب – في تقديمه لبحث في هذا الصدد إلى أن الأكاديين ومن بعدهم السومريين قد سلموا بسيادة العمانيين، وقنعوا باستقبال السفن العمانية القادمة بتجارة الهند وتوابل جنوب الجزيرة العربية، ذاهباً إلى القول أن عمان القديمة كانت حلقة الوصل بين حضارتي وادي النيل وما بين النهرين من جهة وحضارة وادي السند من جهة أخرى. (2).وما أن أزف القرن الثالث قبل الميلاد حتى كانت عمان تملك ثاني أسطول بعد قرطبة وطيرة، وربما كان أسطولها أقوى أسطول بحري في العالم أو أكثر عدداً، وكان بلا ريب الوسيلة الوحيدة لنقل حضارة مينا وبابل وسوسة إلى الهند (:) ولهذه شكلت البحرية العمانية ومنذ البداية العمود الفقري للحياة الاقتصادية في عمان، وأوكلت إليه مهام عديدة، كصيد الأسماك واللآلئ والنقل والتجارة وحماية الوطن وأبنائه (على اليابسة وعلى ظهر سفنهم)». (3).
ولا شك أن هذا الدور انعكس على الحياة الاقتصادية في عمان، واضطلعت بدور كبير في جانب تفعيل التجارة البحرية بين آسيا وأفريقيا بحكم الموقع واتصالها بساحل أفريقيا ومدخل بحر الهند والصين، ولا غرابة أن أطلق بعض المؤرخين على العمانيين اسم رواد الملاحة منذ أقدم العصور.
ولعل أجلى المعلومات عن البحرية العمانية في العصور القديمة، تأتينا مع الفتوحات الكبرى للإسكندر المقدوني (356 - 322 ق. م)، التي أدت إلى تغييرات عميقة في الطابع السياسي والحضاري لغرب آسيا رغم قصرها، بالرغم من اعتماد الاسكندر على البحارة الفينيقيين في البحر الأحمر والخليج العربي فقد لعب العمانيون دوراً أساسياً وإيجابياً في النشاط البحري في المحيط الهندي ومن جهة أخرى فإن الفرس سعوا لمنافسة العمانيين في الفترة السابقة للاجتياح المقدوني، وبشكل خاص في عهد دارا الكبير ملك الفرس الأخميني (521 - 584 ق. م) إلا أن العمانيين لما اتصفوا به من عزيمة وتصميم ما لبثوا أن استعادوا دورهم البحري الدولي في عام 100 ق. م. وعندما برز الرومان كقوة دولية ما بين عام 50 وحتى 200م، شاهد العالم توسعاً في النشاط البحري الدولي على أيديهم خاصة ما بين الشرق والغرب، ولم يؤثر ذلك كثيراً على نشاط البحرية العمانية بل دل على العكس من ذلك، فقد زاد العمانيون من نشاطهم البحري الدولي وقاموا بتغيير طرقهم البحرية المعهودة من قبل، ليسايروا شواطئ فارس والسند وصولاً إلى الهند متحاشين بذلك الاصطدام مع السفن المعادية لهم. (4).
عند ظهور الإسلام كانت عمان بلداً عربياً مستقلاً يحكمه اثنان من أهل الجلندى العرب هما جيفر وعبد، فدخلت عمان في الإسلام طواعية بعد وصول مبعوث الرسول (ص)، وقد أسهم العمانيون في الدعوة إلى الإسلام وشاركوا في الكثير من الفتوحات، مثل فتح فارس وبلاد السند وبلاد المغرب العربي، ويروى أن عثمان بن أبي العاص الذي عيّن عاملاً على عمان من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، قد قام سنة 636هـ بحملة بحرية ضد بلاد السند انطلق بها من الموانئ العمانية بأسطول عماني وبحارة وجنود من عمان. وأسهم العمانيون في العصر الإسلامي أيضاً بدور بارز ومتميز في تجارة التوابل بحكم ريادة أسطولهم البحري ونشاطهم التجاري «واشتهر العديد من موانئ عمان بمكانة تجارية رفيعة ومتميزة في العالم في ذلك العصر. وكانت صحار، قصبة عمان تعد أهم مدن عمان التجارية مع الشرق الأقصى وأفريقيا ويصفها المقدسي بأنها (دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن)، وقد نقل عنه ياقوت الحموي في معجم البلدان هذا الوصف. (5)
وفي هذه الفترة برزت عمان في العصر الإسلامي من الدول ذات الأهمية التجارية بحكم موقعها الهام على طرق