مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... كتابة قواميس البيوغرافيا في عمان لعبدالرحمن السالمي

الجزء ٣٠ · صفحة ١

عنوان المقال: كتابة قواميس البيوغرافيا في عُمان

صدر في العدد …

الكاتب: عبدالرحمن السالمي

تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان

2 نوفمبر،2014

كتابات التراجم في تاريخ الأدب العربي تعد نوعا أدبياً مميزاً في الكتابات العربية الكلاسيكية، ولقد تطور هذا النوع الأدبي في مجمله ليتداخل مع علوم أخرى كالتفسير والحديث والفقه والآداب والنحو والتاريخ ثم توسع إلى نطاق الفرق والمذاهب: حتى يمكن الجزم في ذلك أن كل صنف علمي يختص بقواميس أعلامه ولكأنها أجناس أدبية لكل صنف منها، فمن مشاهير المصنفات كابن سعد (ت230|825) في «الطبقات الكبرى» أو ابن سلام الجمحي (ت231|846) في «طبقات فحول الشعراء»، إلى السير الشخصية كالسير النبوية المدونة عن النبي عليه السلام. أما الفهرست لابن النديم فقد حفظ لنا ذكر بعض بدايات المصنفات العربية في هذا الشان كأمثال أبو مخنف (ت157|774) في مصنفاته «كتاب المختار بن عبيد» و «كتاب زيد بن علي»، أو ابن الكلبي (ت206|821) نحو «كتاب ابن العباس بن عبدالمطلب» و «أخبار مسيلمة الكذاب وسجاح» ..

بل إن منها ما تطرق إلى ابعد من ذلك، إلى الأسماء والكنى ونحوها مثل «كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء» و «كتاب المختضرين» ومعناه من مات في شبابه للمدائني، و «المحمدون من الشعراء وأشعارهم» أي بمن سمي من الشعراء باسم محمد لجمال الدين القفطي (ت646|1248). أو المهن ككتاب «أخبار القضاة» لمحمد بن خلف الواقي (ت306|918) أو «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت668|1270) لتتعدى إلى مشاهير وأعيان سكان المدن بغض النظر في مواضيعها وسجلاتها مثل «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، أو «بغية الطلب في تاريخ حلب» لأبن العديم العقيلي (ت588|1193)، و «كتاب المقتبس في تاريخ أهل الأندلس» لابن حيان (ت469|1076). كذلك أبي حاتم السجستاني (ت248|862) سجل تراجم المعمرين «المعمرون والأوصياء»، إلى تراجم أصحاب العلل والعاهات كجمال الدين الصفدي في «نقط الهيميان في نكت العميان». أو الجاحظ (ت255|868) في «البرصان والعرجان والعميان والحولان». ثم طورت معها مصنفات كالتذييلات «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت764|1363) و «عقود الجمان وتذييل الأعيان» لمحمد بن بهادر الزركشي او المختصرات مثل «الوافي بالوفيات» للصفدي. (1)

ولكثرة الإسهامات العربية في هذه القواميس اعتقد المستشرق روسننثال: «أن أكثرية المسلمين تتصور التاريخ ما هو إلا مقابل المعنى للشخصيات» (2). أما هاملتون جب فقد كان اقل حدة في هذا الأمر في إشارته: «أن مؤلفات قواميس سير التراجم عند العرب تطورت وارتبطت في آن واحد مع الكتابة التاريخية» (3). وهذا ما اتبعه بروكلمان بإشارته أن التدوين لتواريخ المدن والأقاليم والأمصار لا تتكون في الغالب إلا من أخبار أعيان مدينة ما أو مصر ما. (4) وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في الكتابة التاريخية الكلاسيكية عند العرب وتأثرها بالسرد عن الشخصيات في سياق الأحداث فالبعض ينهج بالتسلسل الزمني كنحو الطبري وابن الأثير والبعض الأخر بتسلسل السلطوي.

والذي يمكن إدراكه بوضوح من هذه القواميس ما تعكسه عن اوجه متعددة للمجتمعات والثقافات في الحضارة الإسلامية وتتلمس جوانب معرفية في محتوياتها ليست فقط عن الشخصية «المتقصاه» في سلوكياتها الفردية بل إلى أخبار العامة والمجتمعات في الحضارة الإسلامية. فيبدو لنا أن أساسية هذا الفن بدأت من السنة الرواة والإخباريين والنسابة وامتزجت لتكّون هذا الفن الأدبي وهذا يتضح مع ابن النديم في المقالة الثالثة حيث جعلها في فنون الأخبار والأدب والسير والأنساب. (5) ولذا اعتقد بروكلمان أن أساسية هذا الفن الأدبي بدأ ب: « … .. جمع الأخبار عن أعيان الرجال المشتغلين بغير علم الحديث ولاسيما الشعراء وعلماء اللغة. وذلك على نمط كتب الطبقات التي خدمت علم الحديث». (6) فنشأة هذه المدونات بدأت مع حركة التأليف التاريخي مع بدايات العصر الأموي وارتبطت بالجغرافيا والفتوح ومن ثمَّ يرجع تبلورها إلى صدرِ الإسلام. (7) لكن هذا الجنس الأدبي بأشكاله المتعددة والمتنوعة جذب اهتمام العديد من العلماء والباحثين إلى دراسة فنية الكتابة في قواميس السير والتراجم ومناقشة مواضيعها ابتداء من: جب (8) أو ليختنسادر (9) أو روسننثال أو هومفرايس (10) أو هاملتون جب أو طريف خالدي (11) أو اوخترلوني (12) أو ابياد (13) أو أخيرا وداد القاضي (14). كل اخذ منحى لدراستها ومن زوايا مختلفة لكشف ما تبديه من اوجه معرفية في الثقافة الإسلامية. هذه المصنفات ذاكرة عامة لشخصيات التاريخ الإسلامي ومنهج اختط ليشكل ظاهرة أدبية في الكتابات العربية الكلاسيكية فهي تبرز حقلا واسعا عند تتبعها في تطور الذهنيات عند العرب والمسلمين والشعوب التي دخلت معهم في الحضائر والأمصار بما تورده من تراجم لشعراء وعلماء وأدباء وكتاب. ثم إنها أحيانا كذلك تعطي ضبطا دقيقا للمجال الجغرافي والعلمي المكونة لتلك

٣٠٨ / ٣٥٢