مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 مختارات من الشعر العماني الحديث لهلال الحجري

الجزء ٢٣ · صفحة ٢

عمان. فأولا أعبر عن عميق شكري وخالص امتناني للدكتور هلال الحجري الذي اختار روائع هذه الأشعار. اجتاحني عارم من اللذة والسعادة حين دخلت هذا البستان وكل زهرة فيه على عودها الخاص بجمالها وأريجها. وهذه المجموعة من الشعر العماني ذكرتني بـ «وادي عبقر» المذكور في الأساطير العربية. كانت العرب قبل الاسلام تؤمن بكائنات مستورة لا ترى. جنس ينتقل بغمضة عين من مكان إلى آخر وبعضه يقيم في «وادي عبقر». مكان لا تحديد لمكانه، أي لا مكان. واعتقدت العرب أن جن هذا الوادي هي التي تملي الشعر على أي شاعر. فسمي الشاعر عبقريا: أي على صلة خفية وغامضة بوادي عبقر، بكائنات مستورة. ويبدو كأن الشاعر يحذف أصوات الإنس من عالمه. وكان حبه كله منصبا على الجبال والأشياء ليس الناس. كان يستأنس البراري وأحاديث الحجارة والسنابل والطيور كما يقول الروائي الفلسطيني في روايته «الضوء الازرق». عندما نقرأ «هذيان الجبال والسحرة» للشاعر سيف الرحبي أو «مرثية من الشمال البعيد» للشاعر زاهر الغافري نحس كأننا نمر على وادي عبقر هذا، وتتضح لنا جليا عبقرية الشعر. يقولون إن الشاعر سيف الرحبي رحال يكون في حقيبته شعر ينام، يملأ ربعه الخالي بالشعر. القصيدة الجديدة عند سيف كما يقول هو نفسه انحراف المركز عن وهم الاكتمال. إنها مفتوحة على الاحتمالات كلها بما فيها من النقصان. يقول: «لا أميل إلى جر المعارف المنجزة كالفلسفة وبقية الحقول المعرفية الأخرى إلى ساحة الشعر، إنما أميل إلى أن على الشعر أن يخلق أدواته وتصوراته الخاصة بنفسه وعبر نزوعه الخاصة وحريته اللامحدودة بالتقاط أشياء العالم». إن خبرات الشاعر سيف الوجدانية توجز دائما في زمنين الماضي والحاضر أو الغربة والحنين بحسب رأي الشاعر اللبناني محمد العبدالله، وحداثة هذا الشاعر كما يقول الشاعر اللبناني الراحل يوسف الخال ليست حداثة افتعال، «ولو كانت كذلك فلا تستحق دمعة حبر، إنها انفجار الوعي والحساسية الجديدة في تعبير هو عن شقاء الإنسان وفي غربته وفي منفاه». يقول الشاعر أدونيس إن الشاعر محكوم بأن يعيش في منفاه الداخلي. لست بصدد تحليل شامل لكل شعر من هذه المجموعة ولكن أرجو أن أؤكد أن كل شعر فيها يحمل لواقح العبقرية مع ما تتميز كل زهرة في هذا البستان على عودها بجمالها الخاص كما قلت سالفا. المهمة التي كلفني إياها أصدقائي في عمان كانت نقل جمال وأريج هذه الأزهار إلى لغتنا المالايالامية، اقتلاع شجيرات الأزهار ونقلها من بستان إلى بستان آخر دون أية إصابة لجذورها. كانت تلك مهمة عويصة. لأن المسافة بين المجرم والمترجم ليست بعيدة. يصبح المترجم مجرما فقط بحذف حرف وتقديم وتأخير حرفين. والترجمة حرفا بحرف تقتل روح العمل. فالترجمة إذا جريمة اغتيال. مع الدقة والأمانة على المترجم إجادة لغة المصدر ( Source Language) ولغة الهدف ( Target Language)، الترجمة التعبير بلغة الهدف عما عبر عنه بلغة المصدر مع الحفاظ على الخصائص الدلالية والأسلوبية للنص المنقول. فلا بد للمترجم من أن يكون قارئا مدققا للنص الذي يريد ترجمته لما فيه من دلالات وإيحاءات فكرية وثقافية. ويتوقع من المترجم ألا يلتزم بأسلوبه الخاص بل عليه أن يتميز بالقدرة على تلوين أسلوبه ليحاكي الأصل دون أن يفقد قالب اللغة المترجم إليها. لأن لكل لغة قالبها الخاص. وتكون مهمته شاقة وعسيرة في حالة ترجمة الأعمال الإبداعية. فعليه أن يحافظ على المعنى والمبنى والجمع بينهما خصوصا في حالة ترجمة الشعر كما يشير إليه الكاتب المصري محمد عناني. وترجمة الإبداعيات يجب أن تكون قريبة من المستوى الفني للأصل. وذوق المترجم عنصر هام في هذا الصدد. فإذن الترجمة ليست مجرد نقل من لغة إلى لغة أخرى بل هي أيضا عمل إبداعي – Transcreation not mere translation. وقديما قالوا إن ما يفقد في الترجمة هو الشعر. ويضيف العمل الأدبي الذي أجيدت ترجمته إضافة مهمة إلى التراث الأدبي للغة المترجم. وأتمنى أن تكون هذه الترجمة إضافة إلى التراث الأدبي في لغتنا. وإنني إذ أختتم هذه الكلمات أرجو أن أعبر عن خالص امتناني لصديقي الحميم شاه جهان لتعاونه البناء في تدقيق هذه الترجمة وأشكركم لحسن استماعكم كما أشكر الناشطين في الجالية الملايالامية لجهدهم الجهيد في نشر هذا العمل الأدبي، وليس في قاموسي كلمات للشكر لهذه الحفاوة والمودة، فليكن ختام المسك لهذه الكلمات مقطع من شعر الشاعر الكبير نزار قباني: «وكلامنا في الحب يقتل حبنا إن الكلام يموت حين يقال». …

تترجم إلى اللغة المالايالامية

شاعر وأكاديمي من عُمان

٢٣٧ / ٣٥٢