مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 19 النخلة روح الريف العماني ويد السخاء التي لاتنقبض لمحمود الرحبي

الجزء ٧ · صفحة ٢

الكثير من الصناعات اليدوية كالحصائر الحبلية وأغطية المنازل السعفية وغيرها.

واذا توقفنا عند الكربة، فإننا نجد بجانب وظيفتها الطبيعية الظاهرة وهو اعتمادها كمسند لتسلق النخلة حيث توضع أصابع القدمين فيما اعتلت وتوثقت منه أصابه اليدين، نجد هناك وظائف أخرى، فالكرب يعتبر مادة فعالة للتدفئة، والطبخ وتسوير جداول الأفلاج، ويمكن أن يثبت كوتد مصقول في صدور بيوت الطين، وكل هذه المعطيات والمشتقات المذكورة آنفا، تبين على أن الثمرة ليست هي المحطة المباشرة والأولى للقطاء، فرغم ما توفره الثمرة من متوالية انتاجية متعددة فهي لا تشكل إلا جانبا ضمن هذا الدفق العجيب.

حيث نجد في الثمرة نفسها تنويعا وتحولات يعسر حصرها، فيمكن ملاحظة في واحة صغيرة من النخل عدة أنواع من الثمر تتضارب في أحجامها وألوانها وطعمها، ولكل نوع منها قيمة خاصة ومذاق مختلف يميزه ويفرده، رغم ما يشترك فيه من سقي وتسميد (17) واحاطة وطقس.

فالثمرة بمجرد ما يكسوها الصفار ويبدأ بالزحف الى قشرتها الخارجية،

تجمع في مراجل ضخمة وتفي الى أن تلين وطفر حلاوتها فتكتسي طعما لذيذا يتسابق الناس الى تذوقه وهو ما يعرف بالفاغور (18)، ويأتي كإحدى المراحل التنويعية في التصرف بالثمرة، وعندما تترطب قشرتها بعد ذلك وينتصفها الشحواح (19)، فإن المجالس تتبارى ال الاستحواذ عليها، وفي هذه الاثناء لا تتوقف أيادي الخرافين عن طفها، فترى مسالك الواحات عامرة بالصواني والحبال، وتدب بحركة لا تنقع والاهفال الذين تمور بين جوانحهم الفحولة يتناهون متسلقين الاثداء الصفراء والحمراء يساعدهم في ذلك العجائز بتحريض مبحوح وأعين مغمضة.

أما حين يفي الشحواح الثمرة بأكملها، فإن في ذلك إشارة عر اقتراب موسم الجداد الجماعي، هنا يمكن رؤية روح التعاون في أوج عظمتها حين تتوافد العائلات في فرح ونشاط يموج بينهم الضحك والفكاهة وتطو النداءات.

وما يتم جنيه فإنه يجمع في أوان وأحمرة واسعة ويتم تنقيته من الخشاش

(20) الا وشاب، فيعزل ما يلين منه ويكنز في أجربة وصفائح إما موضعا، أو منثورا أو مدلو كا (21) مما يضمن استمراره هول أيام الشتاء في دورة لا تعرف الصمت. الى جانب إمكانية استخلاص مادة العسل من القمرة نفسها، فبعد أن يفصل التمر عن قمعه (22) ونواته، يصب في قدور ضخمة ويترك أياما طويلة حتى يتماهى ويتحول الى سائل غليه يقترب في هيئته من عسل النحل البري.

وهكذا فإن البلحة تتدرج في فوائدها ويتحول كل شيء فيها الى مادة صالحة في حياة الريف العمانى، فالفلحة أو النواة مثلا تتحول الى وجبة فاخرة للماشية وخاصة البقر الحلوب منها، حيث يمكن صناعة طبق المغبرة وهي مزيج من مدقوق النسوى والبرسيم والقاشع (23).

بل إن الفاعلية الانتاجية للنخلة تستمر حتى الى ما بعد انحنائها وموتها، حن تعتمد جذوعها كمادة صلبة وفعالة في بناء بيوت الطين، حيث تستعمل كوتد لتقويم الزوايا أو تجرش وتقطع ويتم خلطها بالطين لصقل سماكته وغلظته، أو تعمد فوق أحواض تصريف المياه كنواعير تحركها الدواب، وكل ما ذكر دلالة على ثراء هذه الشجرة وشساعة مواردها، فكل جزئياتها قابلة للانتفاع الفوري الى الحد الذي لا تترك فيه آثار تكنسها الرياح. ثم أن التعقيد والتشابك الذي نواه في تكوين الأفلاج وشقها وتصريفها والتواء مجاريها (24) يقابله تعقيد أشد في عملية توزيع الوظائف والقسمة من المياه وما يرصد ذلك من متابعة وحرص وأيد بانية (25).

وهكذا تظل النخلة كائنا محكما في غموضه وكثافته، في شموخه (26) وتواضعه .. القلب الذي كان العمانيون يشدون نياطه الشاسع في دأب مؤرجحين حياتهم بين ظلاله في أفراحهم والعابهم (27) واعراسهم وماتمهم.

الهوامش

ا - تضطلع النخلة فى تحديد أمزجة المحيطين بها ومدى انسجامهم النفسي والعصبي، فرخاؤها وتوافر حاجاتها يعكس رخاء أهلها ووضاءهم بينما جفافها ومرضها معني تبرمهم وتعبهم، ففي سنوات المحل المتقطعة يكون الناس في أوج توترهم وخلوقهم كأنما أصابها الجفاف يظهر ذلك من نبرتهم الحزينة حين يتحدثون عن النخلة وجفافها، وحين يصيبها مس فإن وجوههم تشحب وتموج بظلال الخوف والترقب ويتحدثون طوال الوقت وبنبرة

٨٣ / ٣٥٢