لذي الرمة في مي
الجزء ١ · صفحة ١٨٩الخريدةٌ: الحيية. والعروبُ: الحسنةُ التبعل، وفسرَ في القرآن على ذلك في قوله: " عربا أتراباً " الواقعة: 37. فقيل: هن المحباتُ لأزواجهن.
وقال أوسُ بن حجر:
تصبي الحليم عروبٍ غير مكلاحِ
وذكر الليثي أن رجلاً كان يحب جاريةً لوم يكن يحسن مما يتوصل به إلى النساء شيئاً، إلا أنه كان يحفظ القرآن، فكان يتوصل إليها بالآية بعد الآية، فكان إن وعدته فأخلفته تحين وقت مرورها، فقال: " يأيها الذين أمنوا لم تقولونَ ما لا تفعلونَ " الصف: 2 وإن خرجت خرجةً ولم يعلم بها فينتظر تحينها في أخرى، فتلا: " ولو كنتُ أعلمُ الغيب لأستكثرت من الخير " الأعراف: 188. وإن وشى به إليها واشٍ كتبَ إليها: " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسقٌ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهلةٍ " الحجرات: 6.
وذكروا أن أبا القمقام بن بحر السقاء عشق جارية مدينية، فبعث إليها: إن أخواناً لي زاروني، فابعثي إلي برؤوسٍ حتى نتغدى ونصطبح اليوم على ذكرك، ففعلت، فلما كان في اليوم الثاني بعثَ إليها: إن القوم مقيمون لم نفترق، فابعثي إلي بقليةٍ جزوريةٍ وبقريةٍ قديةٍ حتى نتغداها ونصطبح على ذكركِ، فلما كان في اليوم الثالث بعثَ إليها: إنا لم نفترق، فابعثي إلي بسنبوسكٍ حتى نصطبح اليوم على ذكرك، فقالت لرسوله: إني رأيت الحب يحل في القلبِ، ويفيض إلى الكبدِ والأحشاء، وإن حب صاحبنا هذا ليس يجاوزُ المعدة.
وخبرت أن أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين المهدي في النيروز والمهرجان، فأهدى في أحدهما برنيةً ضخمةً، فيها ثوب ناعمُ مطيب، قد كتب في حواشيه:
نفسي بشيءٍ من الدنيا معلقةٌ … الله والقائمُ المهدي يكفيها
إني لأيأس منهاثم يطمعني … فيها احتقارك للدنيا بما فيها
فهم بدفع عتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين، أبعد حرمتي وخدمتي تدفعني إلى رجلٍ قبيح المنظر بائع جرار ومكتسبٍ بالعشق! فأعفاها، وقال: املأوا له هذه البرنية مالاً، فقال للكاتب: أمر لي بدنانير فقالوا: ما ندفع ذلك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح بما أراد، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبةُ: لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حولٍ في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعرض عن ذكري صفحاً.
ودعت أبا الحارث جمين، واحدةٌ كان يحبها، فجعلت تحادثه ولا تذكر الطعام، فلما طال ذلك به قال: جعلني الله فداكِ! لا أسمع للغداء، ذكراً. قالت: أما تستحيي! أم في وجهي ما يشغلك عن ذا؟ فقال لها: جعلني الله فداكِ! لو أن جميلاً وبثينة قعدا ساعةً لا يأكلان شيئاً لبزقَ كل واحدٍ منهما في وجهِ صاحبهِ وافترقا.
وأنشدت لأعرابيٍّ:
وقد رابني من زهدمٍ أن زهدماً … يشد على خبزي ويبكي على جملِ
فلو كنت عذري العلاقةِ لم تكن … سميناً وأنساك الهوى كثرةَ الأكلِ
وقال أعرابي:
ذكرتك ذكرةً فاصطدت ضبا … وكنت إذا ذكرتكِ لا أخيبُ
لذي الرمة في ميّ
ألم تعلمي يا ميَّ أنَّا وبيننا … مهاوًً لطرف العين فيهنَّ مطرح
ذكرتك إن مرّت بنا أمُّ شادنٍ … أمام المطايا تشرئبُّ وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرَّةٌ … شعاع الضُّحى في لونها يتوضَّح
هي الشِّبه أعطافاً وجيداً ومقلةً … وميَّة أبهى بعد منها وأملح
كأنَّ البرى والعاج عيجت متونه … على عشرٍ نهيٍ به السَّيل أبطح
بئن كانت الدُّنيا عليَّ كما أرى … تباريح من ذكراك للموت أروح
قوله: " مهاوٍ " ، واحدتها مهواةٌ، وهو الهواء بين الشيئين.
ويقال: لفلان في داره مطرحٌ إذا وصفها بالسَّعة، يقال: فلان يطرح بصره كذا مرَّرةً وكذا مرةً، وأنشد سيبويه:
نظّارة حين تعلو الشمس راكبها … طرحاً بعيني لياحٍ فيه تحديد
اللياح من البياض، واللَّوح: العطش، واللُّوح: الهواء.
والشَّادن: الذي قد شدن، أي تحرَّك.
وقوله: " تشرئب " ، يقال: إذا وقف ينظر كالمتحيَّر: قد اشرأبَّ نحوي، ويقال: هو يسرح في المرعى.