لعتبة بن شماس في عمر بن عبد العزيز
الجزء ١ · صفحة ١٨١يقولُ هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز: وأم عمرَ أم عاصمٍ بنتُ عاصمِ بن عمر بن الخطاب، رحمه الله.
والأنوق: الرخمةُ، ولا يقالُ: الأنوقُ للرخمةِ الأنثى. ومن أمثال العرب: " هو أعزُّ من بيضِ الأنوقِ " ، وتقول العرب لمن يطلب الأمر العسير: " سألتني بيض الأنوقِ " وذاك أنها تبيضُ في رؤوس الجبالِ، فلا يكادُ يوجدُ بيضها، لبعدِ مطلبه وعسرِه. فإن سأله محالاً قال: " سألتني الأبلق العقوقَ " ، وإنما هو الذكرُ من الخيل، ويقال: فرسٌ عقوقٌ، إذا حملت فامتلأ بطنها، فالأبلقُ العقوق محال.
ويروى أن رجلاً سأل معاويةَ أمراً لا يوجد، فأعلمه ذلك، فسأل أمراً عسراً بعده، فقال معاويةُ:
طلب الأبلقَ العقوقَ فلما … لم ينلهُ أرادَ بيضَ الأنوقِ
وإنما الأبلقُ الذكر من الخيل، يقال: فرس عقوقٌ إذا حملت فامتلأ بطنها، فالأبلق العقوقُ محالٌ.
لجرير في عمر بن عبد العزيز
وقال جرير يمدحُ عمرَ بن عبد العزيز:
ما عدَّ قومٌ كأجدادٍ تعدهمُ … مروان ذو النور والفاروق، والحكمُ
أشبهت من عمرَ الفاروقِ سيرتهُ … قاد البريةَ وائتمت به الأممُ
تدعو قريشٌ وأنصارُ النبي له … أن يمتعوا بأبي حفصٍ وما ظلموا
وفيه يقول جريرٌ أيضاً:
يعودُ الحلمُ منك على قريشٍ … وتفرج الكربَ الشدادا
وقد آمنت وحشهم برفقٍ … ويعيي الناسَ وحشكَ أن يصادا
وتبني المجدَ يا عمرَ ابن ليلى … وتكفي الممحلَ السنةَ الجمادا
وتدعو الله مجتهداً ليرضى … وتذكر في رعيتكَ المعادا
فما كعبُ بن مامةَ وابنُ سعدى … بأجود منك يا عمر الجوادا
وقال أيضا - وكان ابن سعد الأزدي قد تولى صدقات الأعرابِ وأعطياتم، فقال جريرٌ يشكوه إلى عمرَ - :
إن عيالي لا فواكهِ عندهم … وعند ابن سعدٍ سكر وزبيبُ
وقد كان ظني بابنِ سعدٍ سعادة … وما الظن إلا مخطىءُ ومصيبُ
فإن ترجعوا رزقي إلي فإنه … متاعُ ليالٍ والأداءُ قريبُ
تحنى العظامُ الزاحفاتُ من البلى … وليس لداءِ الركبتين طبيبُ
وقال يرثيه أيضاً:
نعى النعاةُ أميرَ المؤمنين لنا … يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمراً جسيماً فاصطبرت له … وقمت فيه بحق اللهِ يا عمرا
فالشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفةٍ … تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
قوله: يا عمرا ندبةٌ، أراد: يا عمراه! وإنما الألف للندبة وحدها، والهاء تزاد في الوقف لخفاء الأف، فإذا وصلت لم تزدها، تقول: يا عمرا ذا الفضلِ، فإن وقفت قلت: يا عمراه: فحذف الهاء في القافية لاستغنائه عنها.
فأما قوله: " نجوم الليل والقمرا " ، ففيه أقاويل كلها جيدٌ، فمنها أ، تنصب " نجوم، والقمرَ " بقوله: بكاسفةٍ، يقول: الشمسُ طالعةٌ ليس بكاسفةٍ نجومً الليل والقمرَ، يقول: إنما تكسفُ النجومَ والقمرَ بإفراطِ ضيائها، فإذ كانت من الحزن عليه قد ذب ضياؤها ظهرت الكواكبُ. ويقال: إن الغبار يوم حليمة سد عين الشمس فظهرت الكواكب المتباعدةُ عن مطلع الشمسِ. ويوم حليمة هو اليوم الذي سافر فيه المنذرُ بن المنذرِ بعربِ العراق إلى الحارث الأعرج الغساني، وهو الأكبر، والحارث في عربَ الشأم وهو أشهر أيام العرب؛ ومن أمثالهم في الأمر الفاشي: " ما يوم حليمة بسرٍّ " ، وفيه يقولُ النابغة:
تخيرن من أزمان يومِ حليمةٍ … إلى اليوم قد حرثن كل التجاربِ
وأظن قول القائل من العرب: " لأرينك الكواكبَ ظهراً " ؛ إنما أخذ من يوم حليمةَ، قال طرفةُ:
إن تنولهُ فقد تنمعه … وتريه النجمَ يجري بالظهرْ
وقال الفرزدق لخالدِ بن عبد الله القسري:
لعمري لقد سار ابن شبية سيرةٌ … أرتكَ نجومَ الليل مُظهرةً تجري