الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

والذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة، تقول: لزيد ضربت ولعمرو أكرمت والمعنى: عمراً أكرمت، وإنما تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول، لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام. كما قال الله جل وعز: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " " يوسف: 43 " ، وإن أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال الله جل وعز: " وأمرت لأن أكون أو المسلمين " " الزمر: 12 " والنحويون يقولون في قوله جل ثناؤه: " قل عسى أن يكون ردف لكم " " النمل: 72 " : إنما هو: ردفكم. وقال كثير:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما … تمثل لي ليلى بكل سبيل

وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع، قال الله جل ذكره: " ولأصلبنكم في جذوع النخل " " طه: 71 " ، أي على ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت في، لأنها للوعاء، يقال: فلان في النخل. أي قد أحاط به. قال الشاعر :

هم صلبوا العبدي في جذع نخلة … فلا عطست شيبان إلا بأجدعا

وقال الله جل وعز: " أم لهم سلم يستمعون فيه " " الطور: 38 " أي عليه. وقال تبارك وتعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " " الرعد: 11 " أي بأمر الله. وقال ابن الطثرية:

غدت من عليه تنفض الطل بعدما … رأت حاجب الشمس استوى فترفعا

وقال الآخر:

غدت من عليه بعدما تم خمسها … تصل وعن قيض بزيزاء مجهل

أي من عنده.

وقال العامري :

إذا رضيت علي بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها

وهذا كثير جداً.

وقوله:

وإن أبت فازدلفي إليها

يقول: تقربي، ومن ذا سميت المزدلفة، قال العجاج:

ناج طواه الأين مما وجفا … طي الليالي زلفاً فزلفا

سماوة الهلال حتى احقوقفا

يقال : زلفة وزلف، كقولك: غرفة وغرف.

وقوله:

بالكلب خيراً والحماة شرا

كلام معيب عند النحويين، وبعضهم لا يجيزه، وذلك لأنه عطف على عاملين: على الباء وعلى الفعل. ومن قال هذا قال: ضربت زيداً في الدار، والحجرة عمراً.

قال أبو العباس: وكان أبو الحسن الأخفش يراه ويقرأ: " واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات " " الجاثية: 5 " فعطف على إن وعلى في. وقال عدي بن زيد:

أكل امرئ تحسبين أمرأ … ونار توقد بالليل نارا

فعطف على كل وعلى الفعل.

وأما قوله:

غدت من عليه بعد ما تم خمسها

فالخمس: ظمء من أظمائها، وهو أن ترد ثم تغب ثلاثاً، ثم ترد، فيبتدأ بيومي وردها مع ظمئها، فيقال: خمس، والربع كحمى الربع.

وقوله: تصل أي تسمع لأجوافها صليلاً من يبس العطش، يقال: المسمار يصل في الباب، إذا أكره فيه، قال جرير يخاطب الزبير بمرثيته في هجائه الفرزدق:

لو كنت حين غررت بين بيوتنا … لسمعت من وقع الحديد صليلا

ويقال للحمار: المصلصل، إذا أخرج صوته من جوفه حاداً خفياً.

قال الأعشى:

عنتريس تعدو إذا حرك السو … ط كعدو المصلصل الجوال

وقال المفسرون في قوله عز وجل: " من صلصال من حمأ مسنون " " الحجر: 26 " ، قالوا : هو الطين الذي قد جف، فإذا قرعه شيء كان له صليل. وتفسير ذلك عند العرب التقن الذي يذهب عنه الماء في الغدران فيتشقق ثم ييبس.

والقيض: قشر البيضة الأعلى؛ والذي يلبس البيضة فيكون ما بينها وبين قشرها الأعلى، يقال له: الغرقئ، يقال: ثوب كأنه غرقئ البيض .

والزيزاء: ما ارتفع من الأرض، وهو ممدود منصرف في المعرفة والنكرة، إذا كان لمذكر، كالعلباء والحرباء، وسنذكر هذا في غير هذا الموضع مفسراً، على أنا قد استقصيناه في الكتاب المقتضب.

والمجهل: الصحراء التي يجهل فيها، فلا يهتدى لسبيلها.

ويقال للشيء إذا غب وتغيرت رائحته، صل واصل، فهو صال ومصل، ويقال: نتن وأنتن. ويقال: خم وأخم، وذاك إذا كان مستوراً حتى يفسد. ويقال إذا عتق اللحم فتغير: خنز وخزن، وبيت طرفة أحسن ما ينشد:

ثم لا يخنز فينا لحمها … إنما يخنز لحم المدخر

٢١٥ / ٣٣٦